والمعالجة في هذه الآيات تتعلّق بتكذيبهم بيوم الدّين ، بتعلّة الاستغراب والاستبعاد والتّعجّب .
وقد اشتملت هذه المعالجة على أربع قضايا :
القضيّة الأولى : دلّت عليها عبارة :
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ
:
لقد أدركوا في هذه المرحلة المدنية أنّ العظام صائرة أيضا إلى التراب كسائر عناصر الجسم فحذفوا من عبارتهم :
وَعِظاماً *
وهذا يدلّ على تأخّر نزول هذا النّص عن النّصوص السابقة الواردة حول هذا الموضوع .
وأدركوا أنّ البعث خلق جديد مناظر للخلق الأوّل ، وتكون فيه إعادة النّفس الّتي ذاقت الموت بكلّ عناصرها وصفاتها ، إلى الحياة بإعادة الرّوح إليها ، دون شرط تجميع أعيان ذرّات الجسد الّذي بلي وصار ترابا ، وتحوّل تحوّلات أخرى كثيرات ، في نباتات أو أحياء . ( ونقول : إنّ اللّه على ما يشاء قدير ) .
فالخلق الجديد الّذي يشتمل على النّفس الّتي كانت قد ذاقت الموت ، وعلى الرّوح الّتي كانت مقترنة بها ، يكفي لتحقيق معنى البعث إلى الحياة ، سواء أكان ذلك في ذرّات الجسد السّابق أم في ذرّات أخرى ، ليست أكثر من وعاء ترابيّ العناصر للنّفس والرّوح ، فأجساد الأحياء متبدّلة دواما ، يهلك منها هالك ويأتي بدله جديد .
وإذ وصل كفّار مكّة إلى إدراك هذين الأمرين ، فقد صار من الحكمة أن يعالجوا معالجة يراعى فيها المستوى الفكريّ الّذي ارتقوا إليه ، فيبيّن لهم أنّ تعجّبهم من الخلق الجديد ، هو الّذي يستحقّ العجب حقّا .
فخاطب اللّه عزّ وجلّ الرسول فكلّ ذي فكر صالح للخطاب بقوله تعالى :
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
.