والمعنى : وترى الجبال صنع اللّه الّذي أتقن كلّ شيء ، نحسبها جامدة ساكنة ، وهي في واقع حالها تمرّ مع كلّ عناصر الأرض مرّ السّحاب .
يقال لغة : « أتقن الرّجل الشّيء » أي : أحكم صنعه ، وجعله مطابقا للمقصود به تماما .
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ .
وفي قراءة ابن كثير ، وهشام ، وأبي عمرو ، ويعقوب : [ إنّه خبير بما يفعلون ] : أي : إنّ الرّبّ الّذي أتقن كلّ شيء صنعا ، لا بدّ أن يكون قد خلق الإنسان بصفاته الّتي هو عليها لغاية متقنة حكيمة ، وهي أن يبلوه في ظروف الحياة الدّنيا ، ثمّ ليحاسبه ويفصل القضاء بشأنه ، ويجازيه على ما قدم وكسب في رحلة امتحانه بإرادته الحرّة ، وهذه الغاية تستلزم أن يكون عليما خبيرا بما يفعل الممتحنون من عباده في رحلة امتحانهم ، وهذا اللّازم متحقّق على الوجه الأتمّ الأكمل ، فالتفت اللّه عزّ وجلّ إلى النّاس جميعا وإلى سائر الممتحنين من الجنّ ، فقال متحدّثا عن نفسه بضمير الغائب
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
أي : عليم علم خبرة بما تفعلون لا يخفى عليه شيء من أفعالكم الظاهرة والباطنة ، و [ بما يفعلون ] .
الخبرة : هي العلم بالعمل على سبيل الشهود والحضور ، والمصاحب لكلّ أجزاء العمل ظواهره ، وبواطنه .
قول اللّه عزّ وجلّ :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ( 89 ) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 90 ) :
وفي القراءتين الأخريين : [ من فزع يومئذ ] و [ من فزع يومئذ ] وهي وجوه عربيّة متكافئة .