تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أي : ألم يتفكّروا فيعلموا علما مشابها للرّؤية بالأبصار أنّ ربّهم بعظمة ربوبيّته التي دلّ عليها ضمير المتكلّم العظيم ، جعل لهم اللّيل ليسكنوا فيه سكونا مريحا لهم ، وبهذا السّكون الّذي يكون النّوم أحد عناصره ، يستعيدون نشاطهم ، وقدراتهم على العمل ، بعد أن حلّ فيهم التّعب من عمل النّهار السّابق للّيل في وجوده الزّمنيّ .
وَالنَّهارَ مُبْصِراً
: أي : وجعل النّهار بضوئه كاشفا لهم الأشياء الّتي يريدون إبصارها بأعينهم ، فهو بضوئه يجعلهم يبصرون . يقال لغة : « أبصر فلان فلانا الشّيء » أي : جعله يراه ببصره ، باتّخاذ وسيلة من الوسائل الّتي جعلها اللّه من وسائل الإبصار . ومع هذا المستند اللغويّ لا حاجة لاعتبار إسناد الإبصار إلى النهار من قبيل الإسناد العقليّ ، الّذي يسند فيه الفعل أو ما في معناه إلى غير من هو له لعلاقة من علاقات المجاز . وفي استعمال فعل « جعل » إشارة إلى أنّ خلق المجموعة الشّمسيّة كان أوّلا ، ثمّ جعل اللّه عزّ وجلّ بتدبيره الأرض المظلمة تدور حول نفسها باتّجاه الشّمس ، ضمن نظام معيّن ، وبحركة الدّوران هذه تحقّق وجود اللّيل والنّهار في نظام تعاقبيّ حكيم . ويظهر لي أنّ استعمال فعل « جعل » يكون غالبا لتصاريف اللّه عزّ وجلّ في أشياء موجودة العناصر بخلق سابق ، وتجري تصاريف اللّه في أوضاعها وأحوالها بالجعل ، على أنّ كلّ أفعال اللّه ولو بتغيير الأوضاع والأحوال هي في الحقيقة خلق ، ومن خلق اللّه ما هو إيجاد من العدم ، ومنه ما هو إحداث تصاريف في موجودات بخلق سابق .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
: أي : إنّ في ذلك الجعل العظيم للّيل والنّهار ، لآيات متعدّدات دالّات على شمول علم اللّه ، وعظيم
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 193 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني