وفي هاتين الآيتين يعلّم اللّه عزّ وجلّ رسوله فكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، توفير طاقات مجاهداته في دعوته وتوجيهها لمن نقتضي أحوالهم أنّ استجابتهم مطموع فيها ، باعتبار أنّهم ما زالوا في أوائل توجيه الدّعوة لهم ، أو دلّت التّجربة على أنّ لديهم استعدادا ما للتّفكّر فيما يدعون إليه ، واستعدادا ما لتفهّم حقائقه ، والاستماع إلى نصائح الدّاعي ، ومواعظه ، وحججه وبراهينه .
بخلاف الّذين دلّت التجارب المتكرّرات على أنّهم موتى القلوب أو صمّها أو عميها ، فإنفاق طاقات المجاهدات فيهم بغية هدايتهم من التّبذير الّذي لا يليق بأهل العقل والرّشد المجاهدين في سبيل اللّه ، لأنّهم يدركون أنّ بذل طاقاتهم في الميؤوس من استجابتهم ، كمن يحرث في البحر ، ويبذر في السّباخ .
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى
: أي اعلم أنّ الّذين وصلوا إلى دركة الموتى ممّن تجاهدهم بأقوالك وبياناتك طمعا في هدايتهم ، فإنّك تنفق وقتك وطاقاتك إنفاقا تبذيريّا ضائعا ، فمن الخير لك أن توجّه مجاهدتك لغيرهم من الّذين لم يبلغوا أن يكونوا ميؤوسا منهم .
وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
: أي : ومثل حال موتى القلوب ، حال صمّ القلوب إذا نفروا من دعوتك وتولّوا عن قبول مواجهتك ، وابتعدوا مدبرين .
الدُّعاءَ
: أي : النداء بأعلى الصّوت .
إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
: أي : إذا أدبروا نائين مبتعدين ، يقال لغة : « ولّى فلان » أي : أدبر . ويقال : « ولّى الشيء وولّى عن الشّيء » أي : جعل دبره له ونأى .
وعبارة
مُدْبِرِينَ
: حال مؤكّدة للعامل .