وسبق في تدبّر سورة الفرقان تدبّر ما جاء في القرآن حول آيات اللّه في البحرين « 1 » .
إنّ المناظر المنصف من المشركين إذ طرحت عليه أسئلة هذه المرحلة الثانية من مراحل المناظرة ، وعرضت عليه الأدلّة العمليّة المثبتة للحقّ ، لا بدّ أن يعترف بأنّ الخالق المتقن لهذه الظواهر الكونيّة ، الّتي هي آيات من آيات اللّه الكونيّة ، دالّات على طائفة من الصفات الّتي لا تكون لأحد سواه ، هو اللّه عزّ وجلّ وحده لا شريك له في ربوبيّته .
وحين يعترف بهذه الحقيقة ، ويعلن أنّ الخالق الرّبّ لكلّ ذلك هو واحد لا شريك له في ربوبيّته يقال له :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
؟ أي : بما أنّ الرّبّ الخالق واحد ، وهو ما ثبت لنا بالبراهين ، فهو وحده المستحقّ لأن يكون إلها ، أي : معبودا ، ولا يصحّ عقلا أن يكون له شريك في إلهيّته ، أي : في كونه معبودا من خلقه ، إذ لا يوجد في الكون كلّه من يشاركه في ربوبيّته ، وهذا الرّبّ هو اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه .
عندئذ يتسنّى للمناظر المؤمن الدّاعي إلى اللّه ، أن يقول بأسلوب المستفهم استفهاما تعجّبيا إنكاريا :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
؟ ! !
وفي نهاية هذا التعليم أبان اللّه عزّ وجلّ للدّاعي المؤمن أنّ أكثر المشركين لا يعلمون ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
:
أي : بل أكثر المشركين مقلّدون لأئمّتهم وقادتهم لا يعلمون ، ولا توجد لديهم الدّوافع لأن يبحثوا بأنفسهم حتّى يفصلوا الحقّ عن الباطل في قضيّتي التوحيد والشّرك ، فيعلموا أنّ التوحيد حقّ ، وأنّ الشّرك باطل ، وأنّ جزاء الشّرك الخلود في عذاب النار يوم الدّين .
هامش
( 1 ) انظر المجلد السادس . ص 558 وما بعدها حتى 564 .