ففي الآيات من ( 59 - 64 ) من هذا الدّرس تعليم مناظرة جدليّة للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فلكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، كيف يناظر المشركين حول توحيد الرّبوبيّة والإلهيّة للّه عزّ وجلّ ، وكيف يقنعهم أو يفحمهم بأنّ اللّه عزّ وجلّ واحد في ربوبيّته لا شريك له ، وواحد في إلهيته لا شريك له .
وهذه المناظرة التعلميّة قد اشتملت على مقدّمة وخمس مراحل ، كلّ مرحلة منها تعتمد على عرض بعض الظواهر الكونيّة الدالّة على وحدانيّة الخالق الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وبإثبات وحدانيّته في ربوبيّته تثبت باللّزووم العقليّ وحدانيّته في إلهيّته تلقائيا ، لأنّ من كان هو وحده الرّبّ في الكون كلّه فلا بدّ أن تكون العبادة له وحده لا شريك له ، وهذا هو معنى أنّه الإله الواحد الأحد الّذي لا إله يعبد بحقّ سواه .
وفي الآيات من ( 65 - 75 ) من هذا الدّرس تعليم أسلوب إقناعيّ مضاف إلى الأساليب الإقناعيّة الموزّعة في سور القرآن المجيد ، لمنكري الآخرة .
وجاء في أثناء هذه الآيات تربية من اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بأن لا يحزن على الّذين كفروا ، إذ عرّضوا نفوسهم بكفرهم وعنادهم للخلود في عذاب النار يوم الدّين ، مع ما قد ينزل اللّه عزّ وجلّ بهم من عذاب معجّل في الدنيا ، فهم ليسوا أهلا لأن يحزن من أجلهم ، ولو كانوا من أقرب النّاس إليهم نسبا . وتربية له بأن لا يكون في كرب وألم ضاغط على نفسه ، ممّا يقوم به كبراء مشركي قومه من مكر بتدبيرات خفيّات ، لإيقاف مسيرته الدّعويّة ، واضطهاد الّذين آمنوا به واتّبعوه ، ومن تدبيرات خفيات لمقاومته بالقوّة القتاليّة ، والوقوف في شقّ العدوّ المحارب المقاتل . وقد دلّ هذا التوجيه التربويّ في هذه السّورة على أنّ الرّسول صلوات اللّه وسلامه عليه قد كان إبّان نزول سورة ( النمل ) منشغل القلب
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 126
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٢٦