تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
معاصي النّاس ، وتجمع على فواحش ، وجاء في القرآن تخصيص هذه المادّة اللّغوية بكبائر الذّنوب المتعلّقة بشهوات الفروج ، في معظم النّصوص صراحة . والمراد هنا بالفاحشة في هذا النّصّ إتيان الذكور شهوة من دون النّساء في أدبارهم .
. . . بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
دلّت هذه العبارة على مطويّ يكشفه حسن التّدبّر . إنّ لوطا عليه السّلام ، لمّا شدّد النّكير على قومه ، ولا سيما إنكاره قبيحة حضورهم ومشاهدتهم بأبصارهم ممارسات بعضهم إتيان الرّجال منهم ، ردّوا عليه بقولهم مثلا : لسنا شاذّين في أعمالنا هذه عن سائر الأقوام ، فكلّ الأقوام يفعلون مثلما نفعل فقال لهم لوط عليه السّلام :
. . بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
. أصل الجهل مأخوذ من قول العرب : جهلت القدر تجهل جهلا ، أي : اشتدّ غليانها ، وهو ضدّ تحلّمت . ويقال لغة : جهل فلان على غيره ، أي : جفا وتسافة . ويطلق الجهل بمعنى عدم العلم بالشيء . فدلّ الفعل المضارع في :
تَجْهَلُونَ
الّذي يفيد معنى التكرار والتّجدّد ، على أنّهم يضيفون إلى ممارساتهم قبيحتهم الشّاذّة ، غليانا غضبيا ضدّ من ينكر عليهم ، ويضيفون أيضا جفاء وتسافها وشتائم يوجّهونها له ، أو يوجّهونها لمن يحبّون أن يمارسوا به فاحشتهم ، وهو يأبى لأنّه لم يعتدها وليس من أهلها ، فيغتصبونه اغتصابا جماعيا ، فهم بهذا يجهلون بتكرار آنا فآنا ، وتتفاقم الجهالات الصادرات عنهم شدّة وعنفا . وعلى هذا المعنى قال الشاعر العربيّ :
ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا