إنّ الّذين كفروا يتعقّلون بالأوهام الباطلة ، ويكذّبون الرّسل الصّادقين ، ويكذّبون بالحقّ الّذي يبلّغونه عن ربّهم .
كذلك فعلت ثمود ، قوم الرّسول صالح عليه السّلام ، لمّا أخذهم اللّه عزّ وجلّ بالبأساء والضّرّاء ليتوبوا ، ويستغفروا ، ويتضرّعوا إلى بارئهم ، لم يكن منهم إلّا أن يتشاءموا برسولهم صالح عليه السّلام وبمن معه من المؤمنين .
فقال لهم صالح عليه السّلام ما أبانه اللّه عزّ وجلّ بقوله :
. . . قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
( 47 ) .
قالَ طائِرُكُمْ
: أي : عملكم انطلق طائرا فصار
عِنْدَ اللَّهِ
علما وتسجيلا وحسابا ، وهو السّبب الّذي من أجله أنزل اللّه عزّ وجلّ بكم من البأساء والضّرّاء ما تكرهون ، رغبة في أن تتوبوا إليه ، وتستغفروه ، وتتضرّعوا سائلين أن يكشف عنكم ما أنزل بكم من مصائب .
لكنّكم صرفتم هذه الحقيقة عن أذهانكم وتمسّكتم بأوهام التّطيّر الّذي لا حقيقة له ، وإنّما هو ذريعة تتهرّبون بها من الحقّ .
واختير لفظ الطائر كناية عن العمل ليتلاءم في اللّفظ مع الطّيرة المشتقّة من الطائر ، وهي كناية قرآنية .
والمعنى : لا شؤم منّي ولا من الذين آمنوا بي واتّبعوني ، بل أنتم قوم تفتنون ، فتستجيبون لوساوس الشيطان وإغراءاته وتسويلاته بالباطل ، منخدعين بها ، إذ يزيّن لكم شهواتكم من الحياة الدّنيا ، ويزيّن لكم ما أنتم فيه من شرك ، وتتأثّرون بها ضالّين مبتعدين عن صراط الحقّ ، صراط اللّه المستقيم .
الفتنة : تأتي للدّلالة على معاني عديدة ، منها الابتلاء ، ومنها الإغراء والخداع بالباطل للإضلال والصّرف عن الحقّ ، وهذا المعنى هو الملائم هنا .