هذا القرآن ، للتّباين بين ما تضمّنه القرآن ، وما تضمّنه شعر كلّ الشعراء ، وللتباين بين الصّفات النفسيّة والسّلوكيّة للشاعر ، وبين الصّفات النّفسيّة والسّلوكيّة للنّبيّ الرّسول ، وقدّمنا لكم الإقناع الكافي ، ولكنّكم قليلا ما تؤمنون ، إنّكم قد يحصل في نفوسكم استيقان بالحقّ ، ولكنّه إذا خالف هواكم وما تحبّون من متاع الحياة الدنيا ، فإنّكم لا تؤمنون به إيمانا إراديّا دافعا لكم إلى العمل بما يدعوكم إليه ويقتضيه ، أمّا إذا وافق هواكم فإنّكم تؤمنون به .
ولمّا كان الحقّ الّذي يوافق هواكم قليلا ، وكان الحقّ الّذي يخالف هواكم كثيرا ، فإنّه يصدق عليكم أنّكم
قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ،
أي : إيمانا قليلا جدّا بالحقائق تؤمنون .
لفظ « قليلا » صفة لمفعول مطلق محذوف مقدّم على فعله ، ولفظ « ما » لفظ مبهم جيء به لتأكيد القلّة .
وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
( 42 ) : أي : وليس القرآن بقول يمكن أن يصدر عن كاهن ، وقد سبق أن بيّنّا لكم أنّ القرآن لا يمكن أن تتنزّل به الشياطين في أواخر سورة ( الشعراء ) ، ولكنّكم قليلا ما تذكّرون .
تَذَكَّرُونَ :
أصلها : « تتذكّرون » حذفت التاء الثانية تخفيفا في النّطق .
لقد كان من الواجب عليكم أن تتذكّروا ما سبق أن بيّناه لكم تذكّرا دافعا إلى الإيمان بالحقّ ، لكنّكم تهملون ما لا يوافق هواكم فتبعدونه عن ذاكراتكم ، فلا تستحضرونه عند وجود الدّاعي إلى استحضاره ، وتستمرّون على تكرير ما يوافق أهواءكم من باطل .
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 43 ) : أي : إنّ القرآن الّذي تزعمون مرّة أنّه قول شاعر ، وتزعمون أخرى أنّه قول كاهن ، وأنّ محمّدا يتقوّله على ربّه كذبا وافتراء ، هو تنزيل من ربّ العالمين ، نزل به الرّوح الأمين جبريل ، فأوحى به إلى محمّد .