وهذا من سنن اللّه في عباده الناتجة عن اختياراتهم الحرّة ، بلا جبر ولا إلزام قهريّ ، وهو كإحراق اللّه يد من يضع يده في النّار باختياره الحرّ .
قول اللّه عزّ وجلّ بشأن المجرمين الّذين يصلون إلى جحود الحقّ عنادا ومكابرة ، ويكفرون بالقرآن مع فهمهم لقضاياه الدينيّة الّتي أبانها في آياته وسوره :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
( 203 ) :
فدلّ هذا البيان على أنّ التجربة في معالجة المدعوّين ، متى قدّم المعالج فيها كلّ وسائل الإقناع الفكريّ بحججه وبراهينه ، وكلّ وسائل الترغيب والترهيب ، بما فيها ما يتيسّر من تأليف القلوب بعطاء مادّيّ ، وكلّ ما يلزم من مجادلة بالّتي هي أحسن حتّى الإفحام ، ثمّ تابع المعالج التذكير بما سبق عدّة مرّات دون جدوى ، صار تغيير حالهم إلى الاستجابة أمرا ميؤوسا منه ، بكلّ حديث بيانيّ ، ولم يبق إلّا تخويفهم بقوابل العذاب الّذي كانوا قد أنذروا به ومقدّماته وعلاماته ، فإذا رأوا هذه المقدّمات والقوابل قادمة إلى أرضهم ومساكنهم أو مواطن تجمّعهم ، وأدركوا أنّ عذاب اللّه الأليم محيط بهم ، ونازل عليهم لا محالة ، فإنّهم عندئذ يؤمنون ، لكنّ إيمانهم ساعتئذ لا ينفعهم ولا يرفع العذاب عنهم ، لأنّه إيمان ناتج عن خوف من عذاب مشهود المقدّمات ، فهو كالإيمان عند طلوع الرّوح من الجسد ، وشهود شيء من مقدّمات عذاب الآخرة وأهوالها ، والمطلوب في امتحان العباد أن يكون إيمانهم إيمانا بالغيب عن طريق البراهين الفكريّة ، لا إيمانا عن طريق الشّهود بالحواسّ الظاهرة .
فدلّت عبارة :
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 201 ) على أنّ