تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
( 199 ) :
الْأَعْجَمِينَ :
قال أبو الفتح بن جنّي : أصل « الأعجمين » الأعجميّين ، ثمّ حذفت ياء النّسب ، وجعل جمعه بالياء والنّون دليلا عليها . يشير هذا البيان ضمنا إلى العنجهيّة العربيّة والكبر القوميّ ، الّذي يتّصف به هؤلاء المعنيّون بالمعالجة في السّورة . فلو أنّ اللّه عزّ وجلّ جمع إلى إعجازه في مبانيه ومعانيه ، وإنزاله على أمّيّ ، برهانا آخر ، فأنزله كتابا مكتوبا على بعض الأعجميّين من غير العرب ، الّذين لا يحسنون في نشأتهم النّطق باللّسان العربيّ ، فقرأه عليهم من الصّحف المنزّلة بلسان عربيّ مبين ، ما كانوا به مؤمنين ، ولا ستكبروا بعنجهيّتهم العربيّة عن اتّباع أعجميّ ، مع رفضهم لما اشتمل عليه من حقائق الدّين الّتي تخالف أهواءهم وشهواتهم وتقاليدهم العمياء . وفي هذا تيئيس للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من إيمانهم ، إذ وصلت حالتهم النّفسيّة من القسّوة والعناد والاستكبار إلى دركة لا يجدي معها أن يأتيهم ربّهم بآية حسّيّة على ما يطلبون ، كعصا موسى ، وإحياء الموتى لعيسى . وفي هذا البيان تربية للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقطع رجاءه عن إيمان أكثرهم ، وأنّ من الخير أن لا يحزن من أجلهم ، وأن لا يحمل همّ إيمانهم ، إذ يعرّض نفسه بحزنه عليهم وهمّه من أجلهم إلى التّهلكة ، كما قال له في أوائل السّورة :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) . وفي هذا البيان أيضا دمغ لهم بأنّهم مستكبرون جفاة معاندون ، لا يستحقّون حرص الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على إيمانهم ، وحزنه وهمّه من أجلهم ، فهم سيلقون مصيرهم خزيا في الدّنيا ، وسوف يلقون مصيرهم عذابا أبديّا في جهنّم يوم الدّين .