وفي هذا ثناء على اللّغة العربيّة محرّض للعرب على أن يفتخروا بالقرآن الّذي أنزل بلسانهم معجزا من لدن ربّ العالمين ، وهذا يدعوهم إلى الإيمان به ، لا إلى جحوده والكفر به ، مع وضوح دلائل الإعجاز فيه .
مُبِينٍ :
من فعل « أبان » وهذا الفعل يأتي لازما ، ويأتي متعدّيا ، فعلى اللّزوم يكون المعنى : « هو واضح وظاهر » وعلى التّعدية يكون المعنى « هو موضح ومظهر » ، أي : للمعاني الّتي يراد بيانها به ، في كلمات وجمل وأساليب وحقيقة ومجاز وكنايات وتشبيهات .
وكلا المعنيين صالحان هنا ، فهما مرادان ، واللّه أعلم .
قول اللّه تعالى
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
( 196 ) :
زبر : جمع « زبور » وهو الكتاب المزبور ، أي : المكتوب ، يقال لغة :
« زبر الكتاب يزبره » أي : كتبه ، أو أتقن كتابته ، فهو مزبور وزبور .
لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ :
أي : لفي الكتب الرّبّانيّة الّتي أنزلها اللّه على الرّسل السّابقين ، لهداية الأمم الأوّلين .
أي : وإنّ ما جاء في القرآن من حقائق إيمانية ، ومبادئ أخلاقية ، وشرائع إسلاميّة ، هي موجودة بوجه عامّ في الكتب السّابقة المنزّلة على الرّسل السّابقين ، لهداية الأقوام والأمم الأوّلين ، وهذه هي الّتي يجحدها المشركون .
وهذا البيان لا ينافي ما اختصّ اللّه به القرآن من علوم وإقناعات وجدليّات ، لم تشتمل عليها زبر الأوّلين ، لأنّ جحود الكافرين وإنكاراتهم منصبّة على أسس العقائد والأخلاق وشرائع المعاملات ، وأحكام الحلال والحرام ، فهي جوهر الدّين ، وهي موجودة حتما في زبر الأوّلين ، ولو على سبيل التوزيع بينها ، بحسب أحوال الأمم الّتي أنزلت لهدايتها .