الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 183 ) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
( 184 ) :
في هذه الآيات الأربع ، بيان ستّ قضايا وجهّها شعيب عليه السّلام لأصحاب الأيكة ، آمرا ، وناهيا ، ومحذّرا .
القضيّة الأولى : دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله :
أَوْفُوا الْكَيْلَ . . . ،
أي : اجعلوا الكيل تامّا كاملا وافيا غير منقوص .
الكيل : مصدر « كال » يقال لغة : « كال الحبّ أو نحوه من جامد أو سائل ، كيلا ، ومكالا » ، أي : قدّر كميّته بالمكيال ، وهو وعاء تعارف الناس على مقدار ما يستوعب ، فتكال به الأشياء لمعرفة مقدار حجمها .
وقد كان هؤلاء القوم يتلاعبون بالكيل وبالمكاييل ، فينقصون النّاس حقّهم إذا كالوا لهم ، أمّا إذا كالوا لأنفسهم من النّاس فإنّهم يوفون ، أو يزيدون على الوفاء بالاحتيال ، فيأكلون أموال النّاس بالباطل .
القضيّة الثانية : دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله :
. . . وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ
( 181 ) ، أي : ولا تكونوا من الّذين ينقصون النّاس حقوقهم .
يقال لغة : « أخسر فلان الشّيء » ، أي : نقصه .
أمرهم شعيب عليه السّلام بالوفاء ، ونهاهم عن ضدّه الّذي هو الإخسار ، وهو النقص ، مع العلم به من الأمر بالوفاء ، لأنّ الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه بداهة ، إلّا أنّ النّصّ تضمّن الدّلالة على أنّ شعيبا عليه السّلام قد كان خطيبا بارعا ، ومن براعته في خطابته أنّه كان يأمر بالشّيء وينهى عن ضدّه ، لإيضاح مقولاته إيضاحا لا يحتمل التأويل .
القضية الثالثة : دلّ عليها ما حكاه اللّه عزّ وجلّ عنه بقوله :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ
( 182 ) . « القسطاس » فيها قراءتان بضمّ القاف