قول اللّه عزّ وجلّ يحكي بعض أقوال كبراء ثمود في ردّهم دعوة رسولهم صالح عليه السّلام إلى دين اللّه الحقّ :
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 154 ) :
إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ :
عبارة فيها قصر بأداة « إنّما » أي : ما أنت إلّا من المسحّرين ، وهو قصر إضافي ، أي : ليس لك من الصّفات بالنسبة إلى ادّعائك الرسالة إلّا أنك مسحّر .
« المسحّر » : الّذي سحر مرّة فمرّة حتّى فسد عقله ومسّه الخبل . يقال لغة : « سحّر السّاحر فلانا » ، أي : سحره مرّة فمرّة حتّى تخبّل عقله ، وضاع رشده .
فاتّهم كبراء ثمود رسولهم صالحا عليهم السّلام بأنّه مسحّر ، وليس مجرّد مسحور ، أي : إنّ السّحر الّذي سلّط عليه جعله مختلّ العقل مخبّلا ، لا يقدّر خطورة ما يقول بشأن كبراء قومه ، وواجهوه بهذا الاتّهام ، ولم يقولوه في غيبته .
وتعلّلوا لرفض نبوّته ورسالته بأنّه بشر مثلهم ، موهمين بأنّ كونّه بشرا ينافي كونه نبيّا ورسولا مبعوثا من قبل ربّ العالمين ، فقالوا له :
ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ،
أي : ليس لك من الصّفات الشّخصيّة الخارجة عن نظام البشر ، كعدم حاجتك إلى الطعام والشّراب ، وعدم حاجتك إلى أن تتزوّج ، ما يؤهّلك لأن تكون نبيّا تتلقّى الوحي عن اللّه ربّ العالمين ، ولأن تكون رسولا تحمل رسالة منه وتبلّغنا إيّاها .
وتعلّل كفّار الأمم ببشريّة أنبيائهم ورسلهم ظاهرة مألوفة ، على الرّغم من فساد ما تعلّلوا به بمقاييس العقل السّويّ ، والحجج المنطقية البرهانية .
وقد سبق أن أوضحت هذا في الملحق الثالث من ملاحق تدبّر سورة