بوضوح ، وقد اتّجهت لهذا الفهم ، لأنّه لا مال لأحد يوم الدّين ، حتّى يتصوّر أنّه ينفعه ، إلّا إذا اعتبرنا أنّ العبارة على تقدير أنّه لا أحد يملك يوم البعث مالا حتّى يتصوّر أنّه تنفعه ، ولا أحد يجتمع حوله بنوه ، حتى يتصوّر أنّهم قد ينصرونه ، إذ يفرّ المرء يومئذ من أخيه ، وأمّه وأبيه ، وصاحبته وبنيه ، فلكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه .
واتّباعا لبيان إبراهيم عليه السّلام في دعوته لأبيه وقومه ، وإذ وصل إلى غاية ما أراد إسماعه بأسلوب غير مباشر ، كان من الحكمة في البيان القرآني ، أن يقدّم اللّه عزّ وجلّ لقطات عن الجنّة والجحيم ، من أحداث يوم الدّين ، ليست من كلام إبراهيم عليه السّلام ، لكن استدعتها المناسبة ، وفي ذكرها عقب كلامه ، إشعار بأنّ كلامه فيما يتعلّق بقضايا الدّين ويوم يبعثون حقّ وصدق ، فهو بمثابة كلام صادر عن اللّه جلّ جلاله .
فقال اللّه عزّ وجلّ :
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 90 إلى 102 ]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 )
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ( 99 )
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 )
في هذه الآيات مشهد من مشاهد يوم القيامة ، يوم الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وفيها لقطات من أحداث يوم الدّين ، هي بالتفصيل خمس لقطات :
اللّقطة الأولى : تقريب الجنّة إلى حيث يراها المتّقون في مكان تجميعهم الخاصّ بأصحاب اليمين ، الواقع إلى جهة يمين العرش ، من أرض المحشر . دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
( 90 ) .