المعنى : آمنتم به وأسلمتم له ، وبهذا التضمين مع التّعدية الّتي تلائم الفعل المضمّن غير المذكور في اللّفظ ، أغنت الجملة الواحدة عن جملتين ، وهذا من روائع الإيجاز القرآنيّ .
ويقال في التقدير : آمنتم به مسلمين له .
ودلّت عبارة
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
على أنّ من نظام الحكم الفرعونيّ ، أنّه ليس لأحد من رعيّة فرعون ، أن يؤمن بشيء على خلاف دين فرعون إلّا بإذنه ، فإن فعل شيئا من ذلك ، استحقّ العقاب الّذي يقضي به فرعون ، ومنه الصّلب بعد تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف .
فالدّين في نظامه تجبر عليه رعيّته بسلطان القوّة .
« الإذن » يأتي في اللّغة بمعنى « العلم » . ويأتي بمعنى « الإباحة » وهذا المعنى الثاني هو الملائم هنا .
القضية الثانية : دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ حكاية لمعنى ما قاله فرعون للسّحرة :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ :
في هذا القول حكم عليهم بإدانة افترائيّة ، قرّر فيها فرعون أنّ ما جرى قد كان مؤامرة مدبّرة بينهم وبين موسى ، وأنّهم كانوا متفقين معه على أن يظهروا عجزهم ، وأن يغلب سحره سحرهم ، وأن يخرّوا ساجدين معلنين إيمانهم وإسلامهم . إذ هو كبيرهم الّذي علّمهم السّحر ، واتّفقوا معه على أن يكونوا شركاءه في حكم مصر ، بعد إسقاط حكم فرعون .
ويظهر أنّ فرعون أعلن هذا لإقناع جماهير المصريّين بأنّ ما جرى مؤامرة مدبّرة ، حتّى لا ينساقوا وراء السّحرة فيؤمنوا بموسى نبيّا ورسولا لربّ العالمين ، ويسلموا له ، وبذلك يفلت زمام الأمر من يده جماهيريّا ، مع أنّ ما أعلنه ليس له أمارة تدلّ عليه ، فقد كان موسى خارج مصر فارّا من القتل كما سبق بيانه .