بدأ موسى عليه السّلام في إجابته بإعطاء النّظرة الكلّيّة الشّاملة للعالمين ، ليدلّ على أنّ لهذا الكون كلّه خالقا ربّا مدبّرا متصرّفا بكلّ حركاته وسكناته ، وما يجري فيه من تغيّرات ، وهو مقدّر مقادير كلّ شيء فيه .
اليقين : هو العلم الّذي لا شكّ فيه ، وأدنى مراتبه ودرجاته ما اعتمد على أدلّة نظريّة عقليّة ، أو خبريّة صادقة لا يعتريها شكّ .
وتلزم من هذا البيان مقالة أخرى تفهم باللّزوم الذهني ، وهي : فإذا كنتم غير مستعدّين لأن تفكّروا فتوقنوا مستقبلا بالحقّ الّذي أدعوكم إلى الإيمان به ، مهما قدّمت لكم من الأدلّة ، فإنّ بياني هذا لن يغيّر من جحودكم لربّكم شيئا .
عندئذ استغلّ فرعون عدم إجابة موسى له عن حقيقة ذات ربّ العالمين ، فنظر إلى من حوله من ملأ قومه ، فقال لهم ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ
( 25 ) ؟ ! .
أي : ألا تستمعون إجابته غير المطابقة للسؤال ، إنّي أسأله عن ذات ربّ العالمين ، الذي يدعونا إلى الإيمان به ، فلا يجيبني ببيان حقيقة ذاته ، وإنّما يأتي ببعض عناصر كونه ربّ العالمين ، فيذكر أنّه ربّ السّماوات والأرض وما بينهما .
وهذا يدلّ على أنّ في عقله خللا .
فتابع موسى عليه السّلام بيانه الذي دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
( 26 ) :
أي : ربّ العالمين هو أيضا ربّكم الّذي يمدّكم بعطاءات ربوبيّته