دواما ، وربّ آبائكم الأوّلين السّابقين ، الّذين ماتوا عند انتهاء آجالهم في الحياة الدّنيا .
وهنا استغلّ فرعون جهل معظم ملئه بدقائق ما أفادته أجوبة موسى عليه السّلام ، ومستغلّا ما فرضه من إلهيّته الّتي جعل نفسه فيها معبودا لقومه ، ومستغلّا خضوعهم وخنوعهم واستسلامهم لكلّ ما يقول لهم من رأي ، فقال لملئه ما دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ :
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
( 27 ) :
قال فرعون هذا الكلام تهكّما ، وإنكارا لأن يكون رسولا ، أو صالحا لأن يحمل رسالة من ربّ العالمين على ما يدّعي .
أي : أنا أسأله عن أشياء معيّنة ، وهو يجيب بأجوبة بعيدة عمّا أسأله عنه ، وهذه من صفات المجانين وأكّد لهم جنونه بثلاث مؤكدات : « إنّ - والجملة الاسمية - واللّام المزحلقة ) أي : بما يدلّ في لغته على مثل هذه المؤكّدات .
ولم يلتفت موسى عليه السّلام إلى اتّهام فرعون له بالجنون في مخاطبته لملئه ، بل صبر عليه وأعرض عنه ، وتابع بيانه بقوله الّذي دلّ على معناه قول اللّه عزّ وجلّ :
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
( 28 ) :
كلمتا « المشرق » و « المغرب » تصلحان للدّلالة على الزمان والمكان ، وتصلحان للدّلالة على الحدث كمصدر ميمي ، إذ خرجا عن قاعدة « مفعل » بفتح العين في اسمي الزّمان والمكان .
والمعنى : أنّ ربّ العالمين هو المدبّر والمتصرّف بصفات ربوبيته لمكان شروق الشّمس ولزمانه ، ولشروقها ، وحركتها ، ومسيرتها ، وهو