تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
وقد سأل فرعون موسى عليه السّلام بمقتضى دلالة هذه العبارة ، عن حقيقة ربّ العالمين . فأعرض موسى عليه السّلام عن إجابة فرعون عن حقيقة ذاته جلّ جلاله وسمت عن الإدراك ذاته ، لأنّ حقيقة ذاته لا يستطيع مخلوق إدراكها ، ولأنّ نور ذاته ، أو نورا من ذاته لا يستطيع البشر إدراكه بأجهزة الإدراك الّتي وهبهم ربّهم إياها . ولكن أجابه بعبارات فيها تفصيل آثار صفات ربوبيّته في كونه ، الجامعة لكثير من صفاته الجليلات العظيمات ، كالعلم المحيط بكلّ شيء ، وكالإرادة الحكيمة ، والقدرة على خلق ما يشاء ، والتدبير الدائم الكامل لتصاريف الكون ، والرّحمة بعباده إلى غير ذلك من صفات ربوبيّته . فذكر موسى عليه السّلام بعض مظاهر صفات ربوبيّته :
قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
( 24 ) . خاطب موسى عليه السّلام فرعون وملأه من حوله بما دلّ عليه هذا البيان . والمعنى : ربّ العالمين هو من له الصّفات الجليلات العظيمات الّتي من آثارها خلق السّماوات والأرض وما بينهما ، وله الهيمنة على تصاريف كلّ ذلك ، وبخلقه يتحقّق بقاء كلّ ذلك في الوجود وبصفات ربوبيته يجري مقاديره على وفق حكمته ، وشمول علمه ، وعظيم قدرته على ما يشاء .
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ :
أي : تؤمنون به ولو لم تعلموا حقيقة ذاته ، من إدراككم لآثار صفاته في هذا الكون الكبير ، إن كنتم مستعدّين لأن تفكّروا بالحقائق الّتي أعرضها عليكم ، فتصلوا إلى إدراك الحقّ ، فتوقنوا بربّ العالمين الذي أدعوكم إلى الإيمان به ، عن طريق البراهين والأدلّة العقليّة ، بالنظر في لوازم خلقه للعالمين ، ومن العالمين السّماوات والأرض وما بينهما .