ولكنّ حكمة الخالق بديع السماوات والأرض ، حمت مياه البحر من الفساد بالمعقّم المخالط لها .
وبالعناية الفائقة وإتقان الصنعة ، جعل اللّه عزّ وجلّ نظام التبخّر لا يصعّد إلّا الماء الخالص من العناصر المخالطة له في البحار .
ويتجمّع بخار الماء الذي يتصاعد من المحيطات العظيمات ومن غيرها على شكل سحب تسبح في الفضاء ، ويتراكم بعضها على بعض ، وتسوقها الرّياح ، وتركم بعضها على بعض بأمر اللّه ، وتزجيها إلى أرض قضى اللّه أن يسقيها ويرويها ويروي الأحياء فيها ، وينبت زرعها .
ويرسل اللّه عزّ وجلّ رياحا باردة ذوات لقاح ، فتتكثف الأبخرة ، وتتجمّع على نويات اللّقاح ماء ، فتتساقط قطرات ، تكبر وتصغر بقوانين قدريّة ، وتكون مطرا ينزل من السّماء عند أمكنة تجمّع السّحاب ، إلى الأرض الّتي قضى اللّه أن يسقيها أو أذن به ، فيحيي به اللّه الأرض بعد موتها ، ويسقي الظماء من النبات والحيوان والناس .
ويتجمّع الماء ، فيجري في الوديان والشعاب ، وتمتلئ منه الأحواض والمستودعات ، ويسلك سبله إلى العيون والآبار ، لتكون موارد للواردين ، ومشارب للظّامئين .
ويخالط الماء التراب الطيّب ، فتتفتّح البزور بإذن ربّها ، وتنفلق ، وتمتدّ الجذور ، ويشقّ النبات الأرض ، ويتصاعد الزّرع ويتفرّع شطؤه ، ويقوى جذعه ، وتتنامى فروعه ، ويزهر زهره ، ويثمر ثمره .
فإذا البزرة الّتي كانت صغيرة كالخردلة أو العدسة أو الحمصة أو النواة ، قد صارت شجرة عظيمة وارفة الظّلال ، ثقيلة الأحمال ، عظيمة النّفع ، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها ، فيفد إليها الآكلون ، ويغتذون ممّا فيها من غذاء لهم ، وينتفعون من ورقها وخشبها وكلّ شيء فيها .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 494
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٩٤