استلّت من الطّين الأغذية ، واستلّت من الأغذية عناصر بناء الأجساد ، واستلّت من الجسد عناصر النّطفة المنويّة في الذّكور ، وبناء البييضات في الإناث ، ثم انعقد الجنين ونما وتخلّق ، ونفخت فيه روح الحياة ، ثم لمّا حان وقت خروجه أخرجه اللّه من بطن أمّه وليدا .
أفليس لديكم منطق قياسيّ ، تقيسون به أحداث النّشأة الأخرى ، الّتي أخبركم بها خالق النّشأة الأولى ؟ ؟ ! .
وقد علمتم النّشأة الأولى عن طريق هذا القياس نفسه ، وظاهر أنّه لا يشترط في صحة القياس تطابق الأحداث بتفصيلاتها ، بل يكفي لصحّته ما يثبت القدرة على إعادة النّشأة ، المماثلة في النّتيجة للنشأة الأولى .
« النّشأة » : و « النّشاءة » قراءتان ، والمعنى فيهما التكوين المتدرّج ضمن نظام التّربية ، حتّى إبلاغ الشيء درجة كماله .
وهما لغتان عربيّتان ، كالرأفة والرّآفة ، بالقصر والمدّ .
. . . فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
( 62 ) : أي : فهلّا تضعون النّشأة الأولى الّتي علمتموها في ساحة تذكّركم الحاضر ، لتقيسوا النّشأة الأخرى عليها ، بالمقاييس المنطقيّة الّتي تقاس بها الأشباه والنظائر ، بعضها على بعض من الماضي والمستقبل والحاضر ، فإذا وضعتموها في ساحة تصوّركم الآنيّ ، فربّما دفعتكم إذا كنتم ناشدين الحقّ ، قادرين على التجرّد من أهوائكم وتقاليدكم العمياء ، إلى الإيمان باليوم الآخر ، وبما أعدّ اللّه فيه من حساب ، وفصل قضاء ، وتنفيذ جزاء ، وهذا الإيمان يدفعكم إلى اختيار السّير على صراط اللّه المستقيم ، والتحرّر من آسرات الأهواء والشهوات والتقاليد العمياء ، وزينات الحياة الدنيا .
تَذَكَّرُونَ :
أصلها « تتذكّرون » حذفت إحدى التاءين تخفيفا في النطق .