قال لإبليس : نعم ، دلّني عليها . ولكنّ النصّ سكت عن هذا إيجازا .
وهنا جاء دور إبليس في إلهاب أشواق آدم للتعرّف على شجرة الخلد ، ومع لهيب الشّوق يحصل في البصيرة غشاوة وسلطان هوى ، لكنّ هذه الأطوار قد طواها القرآن ، لإمكان التّوصّل إليها بالتّدبّر والتفكير العميق .
وندرك أنّ إبليس اللّعين ، لمّا وجد الحالة النفسيّة لدى آدم ملائمة لتعريفه بالشجرة الّتي سمّاها له
« شَجَرَةِ الْخُلْدِ »
مع أنّها في الحقيقة شجرة الطّرد والإخراج من الجنّة .
ولمّا عرّفه بها وهي قريبة منه ، قال آدم لإبليس : لقد نهانا ربّنا عن أن نأكل منها ، فإذا أكلنا منها كنّا من الظّالمين لأنفسهم بمعصيته ، وتعرّضنا للإخراج من الجنّة .
عندئذ استغلّ إبليس حالة التوتّر النّفسيّ لدى آدم وزوجه ، وحالة القلق النّاتج عن حرصهما على الخلود ، وعلى الملك الّذي لا يبلى ، وخوفهما من المعصية والإخراج من الجنّة ، على احتمال أن يكون هذا الناصح الموسوس لهما كاذبا عليهما ، في ادّعائه أنّها شجرة الخلد ، فاستطاع إبليس أن يختصر الطّريق على نفسه ، فيصل إلى الوسوسة لهما معا وبصورة مباشرة ، حتّى أزلقهما ، وجعلهما يأكلان من الشجرة .
قول اللّه عزّ وجلّ :
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
( 121 ) :
فَأَكَلا مِنْها :
أي : فما زال إبليس الشّيطان يستدرجهما ويستنزلّهما في بئر الرّغبة في الأكل من الشجرة ، حتّى أوقعهما بإرادتيهما في المعصية ، فأكلا من الشجرة المحرّم عليهما أن يأكلا منها .