مع أنّ الثابت تاريخيّا أنّ بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر بعد أن خرجوا منها ، بل أبقاهم اللّه عزّ وجلّ تائهين في صحراء سينا وما حولها مما يتّصل بها برّا أربعين سنة ، لأنّ معظمهم قد رفضوا أن يدخلوا أرض الكنعانيين مقاتلين ، وقالوا لموسى عليه السّلام : إنّ فيها قوما جبّارين ، وإنّا لن ندخلها ما داموا فيها ، وقالوا له : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون .
وبعد أن توفّي هاون ثمّ موسى عليهما السّلام ، ومضت أربعون سنة تائهين في الأرض ، غير مستقرّين في مدن ولا قرى ، وبعد أن نشأ جيل جديد قادر على القتال ، هيّأ اللّه عزّ وجلّ من يقودهم ، فدخلوا أرض الكنعانيّين بقتال ، وهي أرض فلسطين ، ونصرهم اللّه وملّكهم ما كان لملوك هذه الأرض الجبابرة الوثنيّين الكفرة ، من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم .
وبالتأمّل والتفكير الدقيق ، ظهر لي أنّ قول اللّه عزّ وجلّ :
كَذلِكَ
يراد به أنّه قد حصل لقوم آخرين غير المصريّين ، نظير ما حصل للمصريّين مع بني إسرائيل ، فنصر اللّه عزّ وجلّ بني إسرائيل عليهم ، وملّكهم ما كان لملوكهم وأثريائهم من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم ، وهنا يأتي موقع .
قول اللّه تعالى :
وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ :
أي : وجعلنا بني إسرائيل هم المالكين لها ، بعد مالكيها السابقين ، عن طريق القتال والحرب .
وبهذا ينحلّ الإشكال ، ويتمّ التوفيق بين النصّ القرآنيّ وبين الواقع التاريخيّ .
ونلاحظ أنّ هذه الآية ( 59 ) قد قفزت بعبارة
كَذلِكَ
أكثر من خمسين سنة إلى جهة الأحداث الّتي حدثت في المستقبل ، بعيدا عن حدث عبور بني إسرائيل البحر ، وغرق فرعون وكلّ جنوده الّذين تابعوا بني إسرائيل معه .