ألّا أنّ مكر اللّه كان أسرع من مكره ، وكيد اللّه كان أشدّ من كيده ، فأحبط تدبيراته ، واستدرجه إلى متابعة بني إسرائيل الّذين خرجوا من مصر دون أن يأذن لهم بالخروج ، وأغرقه اللّه وأغرق جيشه في البحر .
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ . . .
( 37 ) :
هذا بيان ربّانيّ جاء تعليقا على مراوغة فرعون .
أي : ومثل ذلك التزيين الّذي زيّنه الشيطان لفرعون في مراوغته بأمره لهامان ببناء الصّرح للاطلاع إلى إله موسى ، بغية قطع دعوة المؤمن من آله ، في مجلس وزرائه وأهل مشورته ، زيّن له أيضا سوء عمله الّذي يعمله دواما ، لتحقيق أهوائه وشهواته ، وفرض سلطانه الاستبداديّ على شعبه ، وسلطانه الاستعباديّ لشعب بني إسرائيل ، وسوء عمله الّذي دبّره ضدّ المؤمن من آله .
وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ :
أي : وصرف بضواغط نزعاته وأهوائه ، وبوساوس الشيطان وتسويلاته عن السّبيل ، الذي هو صراط اللّه المستقيم ، عقيدة ، وقولا ، وعملا ، وخلقا ، ظاهرا وباطنا .
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ
( 37 ) :
الكيد : التدبير لتحقيق أمر ما ، بحقّ أو بباطل ، بخير أو بشرّ .
التباب : الانقطاع ، وقد يعقب الانقطاع الخسران والهلاك . والمراد هنا الانقطاع عن تحقيق ما يرجو فرعون من الكيد الذي كاده ويكيده ، لأنّ كيده قد كان بباطل وشرّ ، إذ سيخيّب اللّه أموره ومساعيه الظّالمة الآثمة ، فلا يتحقّق له في النتيجة ما كان يروم .
وقد دلّت هذه العبارة باللّوازم الذهنيّة ، ودلائل اقتران البيان بالبيان ، على أنّ فرعون كاد المؤمن من آله ، ليتخلّص منه بالقتل ، دون أن يثير سائر آله عليه ، لكنّ كيده انقطع فلم يتحقّق له ما أراد .