تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
إنّ هذه الحقائق الدينيّة ما كان لمؤمن آل فرعون أن يعلمها وينطق بها في دعوته ، لكبراء رجال القصر الفرعوني ، ما لم يكن قد تلّقّاها من موسى أو من هارون عليهما السّلام ، وتلقّى معها وجوب الدّعوة إلى دين اللّه بجرأة حكيمة .
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً :
ما جاء في هذا البيان دلّ على حركة مراوغة اتّخذها فرعون ، بعد البيان المنطقيّ الحكيم المؤثّر ، الّذي قدّمه المؤمن من آله وأهل مشورته ، بموسى عليه السّلام وبما جاء به عن ربّه ، ووقوفه في مجلس مستشاريه موقف الدّاعي إلى الإيمان بالحقّ الرّبّاني . وغرض فرعون أن يشعر المؤمن من آله ، ومن يكون قد تأثّر ببعض أقواله ، بأنّه سيبحث في قضيّة صدق موسى بحثا جادّا ، عن طريق بناء صرح رفيع البنيان ، يحتاج إتمامه زمنا طويلا ، رغبة في أن يصعد إلى أعلاه ، فيصل إلى أسباب السّماوات ، فيتخذها مرتقيا إليها ، ليشاهد فيها إله موسى . لم يكن فرعون من الغباء الّذي يتصوّر معه أنّه قادر بوسائله أن يرتقي إلى السماوات ، لكنّه أراد أن يخادع بأنّه سيتّخذ وسائل يصل بها إلى إله موسى في السماء ، فإن شاهده آمن به ، وإن لم يشاهده ظهر له أنّ موسى كاذب من الكاذبين . وقدّم فرعون عبارة غير مقطوع بها في قوله :
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
ليخفّف بها شدّة اندفاع المؤمن بموسى من آله في الدعوة إلى الإيمان بموسى وبما جاء به ، وليؤجّل بحث الموضوع ، ويتّخذ في السّرّ وسائل يتخلّص بها من هذا المؤمن من آله ، فيمكر به ، ويدبّر أمر قتله دون أن يشعر به أحد .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 227 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني