للملأ وهم أعيان مملكته من إله غيره ، تجب طاعته ، ويجب الخضوع له ، وبما أنّه هو إله الأعيان فلا بدّ أن يكون إلها لكلّ من دونهم من شعب مملكته .
وبهذا أعلن أنّه إله كلّ شعبه من القبط .
وإذ يدّعي موسى أنّ إلهه في السّماء ، فابن لي يا وزيري الأول ، ويا ساعدي الأيمن ، يا هامان ، صرحا من آجرّ ، لأرقى في طبقات هذا الصّرح لعلّي أشاهد في الأجواء العليا إله موسى ، فإذا لم أجد له وجودا فموسى كاذب في ادّعاء أنّ إلهه في السماء .
إنّ فرعون يخدع شعبه ، إذ يزعم أنّه إذا بنى بناء عاليا شاهقا .
وصعد إلى أعلاه فلا بدّ أن يحيط نظره بكلّ شيء ، فإذا لم يجد إله موسى ، فإنّ هذا الإله لا وجود له ، وموسى كاذب في ادّعائه .
ويظهر أن جمهور شعبه كان يومئذ ساذج التفكير ، أمّا الأذكياء فقد أغرقهم بالمنافع ، فهم يؤيّدون أقواله ، وهم يعلمون أنّها باطلة ساقطة ، لا قيمة لها ، فهم يشاركونه في خداع جمهور الشعب السّاذج .
وأحكم خديعته التي أراد ترويجها في شعبه ، إذ قال قبل بناء الصّرح عن موسى عليه السّلام :
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
( 38 ) فأظهر بهذه العبارة اهتمامه بالتّعرّف على إله موسى ، فلم يقل : وإنّه من الكاذبين ، بل جعل ذلك احتمالا ظنيّا ، وأنّ مراقبة السماء من أعلى الصرح تكشف صحّة هذا الظنّ أو عدم صحته .
قول اللّه عزّ وجلّ :
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
( 40 ) .