هو الكمال التكويني ، وإلّا يسمّى كذباً ودَجلًا ، حيث إنّ الاحترام منطوٍ ومتضمّن لنحوٍ من الإخبار ، فإذا لم يكن الطرف كاملًا لا يكون الاحترام توصيفاً حقيقيّاً صادقاً ، فالداعي الموجب له إن كان صادقاً حقيقيّاً يحكي عن الواقع فيكون صادقاً وإلّا كان كاذباً ، وغاية من يحترم الكبار داعيه تقديس الكمال والحثّ على الكمال ، لأنّ تقديسه للصفات الحقيقيّة العليا في العالم ، لا لبدن العالم .
في تلك الموارد ليس الحسن بلحاظ الإنشاء في التعظيم ، بل بلحاظ الداعي في التعظيم ، والفعل دلالة إنشائيّة على ذلك بلحاظ الداعي ، فهو نوع كمال تكوينيّ . مثلًا إذا خشع قلب المصلّي في صلاته خشعت جوارحه ، فخضوع القلب الذي هو لازم خضوع العقل وهو مستلزم لخضوع الجوارح ، فهذا تقديس للكمال وحثّ نحو الكمال ؛ نعم القدسيّة للأباطيل سجن وأغلال يجب أن تكسر .
أمّا دعوى أن كلّ قدسيّ فيجب أن يصطدم معه لأنّ التقديس والتعظيم تحجير لمسير التكامل ، فدعوى زائفة ، لأنّ القدسيّة أي الخضوع والانقياد صفة مهمّة كماليّة وبرهنت كماليّتها في كلّ الفلسفات عدا السفسطة . نعم ، القدسيّة رهينة الحقيقة يعني الانقياد ، والتسليم إنّما هو للحقيقة لا لشيء آخر .
ثمّ إنّ الإنشاء وإن كان مجرّد اعتبار يوجده المنشئ ، إلّاأنّه لا يكون إلّاعن داعٍ تكوينيّ ، ولذا قسّموا الإنشاء بحسب الداعي والغرض إلى ثمانية أقسام ، والداعي في موارد إنشاء المدح أو الذمّ هو إظهار كمال الممدوح ونقص المذموم ، وأمّا إذا لم يكن لهذا الداعي ، كما إذا كان لأجل مجرّد التصوّر والتخيّل - كما يلاحظ في الشعراء - فلا يصدق عليه عنوان المدح والذمّ ، فإذا كان بذلك الداعي وتطابق ما أنشأه مع الواقع أي الكمال والنقص الواقعي المتصف به ذلك الموصوف ، فإنّه يقال عن المادح أو الذامّ أنّه صادق ، وإلّا كان كاذباً ، ولذا كان الكثير من المدح والهجاء معدوداً في قسم الكذب والزور !
بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 199
مساهمون: السيد عماد الحكيم
ص١٩٩