الأمة الإسلاميّة ومع ذلك لا يختلّ التواتر ما دام الشرط محفوظاً ، وهو القطع بعدم تواطئهم على الكذب بسبب تكرّر الرواة وتعدّد مشاربهم .
ولمزيد التوضيح نُلفت الانتباه إلى أنّ الخبر المتواتر قد يتنقّل من دائرة إلى أخرى سعةً وضيقاً ، فقد يكون خبراً في ابتداء أمره ذا دائرة وسيعة جدّاً ثمّ تتضيّق تلك الدائرة بسبب بعض الظروف ، ولكن ضابطة التواتر تبقى موجودة حتّى في أضيق الدوائر ، وقد تقدّم أنّها ضابطة رياضيّة نظير العديد من الأحاديث النبويّة المتّفق على تواترها ، فإنّها حين صدورها شهدها عشرات الآلاف ، كالتي صدرت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حجّة الوداع ، إلّاأنّها وصلت إلينا من خلال مئات الطرق ، فإنّها حين صدورها ذات دائرة وسيعة جدّاً ثمّ بدأت بالتناقص على مرّ الزمان إلى دائرة محدودة ، ولكنّها تحقّق التواتر حتّى بهذا المستوى ، بل إنّ هذا العدد يزيد على ما يحقّق التواتر بأضعاف عديدة ، ومنشأ هذا التضيُّق في الدائرة عدّة عوامل :
1 - منع تدوين الحديث منذ عصر الشيخين إلى قرابة سنة 150 هجرية .
2 - الأغراض والدواعي السياسيّة العامّة التي كانت ترمي إلى تحريف الإسلام وقلب حقائقه ، ولذلك كثر الكذّابون وقمع الصادقون من المحدّثين .
3 - الأغراض والدواعي الخاصّة ببعض الأحاديث ، كالأحاديث الواردة في موضوع النصّ على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة من بعده عليهم السلام ، أو الأحاديث الواردة في فضح بعض الشخصيّات التي تصدّت للحكم أو مَن يدور في فلكه ، وغير ذلك ممّا لا ينسجم مع سياسة الأمراء والحكّام .
4 - عدم تصدّي الكثيرين ممّن سمعوا تلك الأحاديث للرواية ، إمّا لقصور في الحفظ ودقّة النقل ، أو للخوف من السلطة ، أو لاشتهار الموضوع وشِياعه بما لا يستدعي نقله وروايته ، وغير ذلك .
بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 141
مساهمون: السيد عماد الحكيم
ص١٤١