إنّ قصر النظر على الجانب الإدراكي لتلك المعرفة يحجب الإنسان عن كثيرٍ من الأعمال الجوانحيّة الأصيلة في رُقيِّهِ وسعادتهِ ! لأنّ عروجية الصلاة ؛ مثلًا ، إلى مراتب الكمال لن تكون بمحض الإدراك لأصل الصلاة ، كما هو الحال في كلِّ قضيةٍ مُدركَةٍ ، بل لابد من توسيط نظام الاعتبار بالمعنى الذي يُضمن فيه واقعية الحركة الإنسانية الملتزمة بحدوده ، وهو ما سنوضحه عما قريب من أجل تلك العروجية التي تنطلق من مراتب كمالية نازلة حتى تترقّى إلى ما شاء الله سبحانه من المراتب الصاعدة .
ولذا ذهب أصحاب هذا القول إلى أن التكامل الإنسانيّ عبارة عن سَيرٍ وحركةٍ في إطار ما يَتمُّ إدراكه ! نافينَ أن تكون توسعة الإدراك ؛ بمفردها ، منجِزَةً للتكامل المنشود .
تقريب مَن يمنع الاعتبار عن ساحة البحث العقائدي والمعرفيّ !
تقدّم من توضيح المذهبين المتقدمين أنّ مذهب جملة من الفلاسفة ؛ تبعاً لابن سينا ، قد اختزل المعرفة البشريّة في نظام الحكمة النظريّة ، وأنّ الحكمة العملية ، التي تستند في جذرها إلى ( صِيغٍ عقليةٍ مستوحاة من الحكمة النظريّة ) إنّما تقف عند حدودها من الظواهر المحسوسة ، وأمّا العلاقات والمعطيات التي تربط الإنسان بخالقهِ أو تربطه بما وراء الظواهر المحسوسة فأنّها لا تتخطّى نقطة إدراكها ؛ إثباتاً أو نفياً ! والمفروض أنّ البحث ؛ حينئذٍ ، يكون عن حقائق تكوينية قائمة ،