دوره المضطلع به من المسؤولية الإلهية ، وكان يتعاطى مع الأحداث المصيرية في تاريخ النظام البشري آنذاك ويتصدّى لها .
هذه وقفة قرآنية تستحقّ النظر جلياً وإمعان الفكر كثيراً ، ولا نتابع هذه القصص وهذه الأحداث إلَّا بعبر ، يجب على قارئ القرآن الكريم أن يستشف من عدسة ومجهر القرآن الكريم بأنَّه حينما يُسلّط الضوء على زاوية من زوايا حياة النبيّ يوسف يجد أنَّه قد يكون غائباً ، ومع ذلك يقوم بدوره في غيبته ولا تعرفه الناس لا على مستوى النظرية ولا على مستوى التطبيق ، يعني لا يعرفونه على مستوى الفكرة ولا يعرفونه على مستوى التعاطي الخارجي ، ومع ذلك لا تبطل مناصبه ولا يبطل دوره ولا تبطل حجّيته ، ولا ينحسر الناس عن ثمار دوره ، بل ينفعهم من حيث لا يشعرون ، لذلك نرى القرآن الكريم في بدء ظاهرة النبيّ يوسف عند بدء غيبته عبَّر بهذا التعبير وذلك عندما جعلوه في غيابت الجُبّ :
( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ )
( يوسف : 15 ) ، يعني هو يشعر بهم ولا يشعرون به ، ومن ثَمَّ نصل إلى هذا المقطع من السورة بعد دهر طويل وأحداث جسيمة مرَّت في حياة يوسف :
( وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )
( يوسف : 58 ) ، هو إذن يعرف الناس لكنَّهم لا يعرفونه ، لكن هذا لا يوجب عدم التعاطي مع دور النبيّ يوسف ، فقد كان في صلب الحدث والتصدّي الفعلي وكان يتعاطى مع الناس ويرتبط بهم من دون أن يشعروا بهوية الذي يرتبطون به .
فلا انقطاع بين الناس وبين النبيّ يوسف في غيبته ، لأنَّها غيبة شعور