لأجل نوع من المشاغبة الحسّية لتلك الحجج مثلًا ، ولو نظر الإنسان وبصر إلى طرفي شارع ممتد طولًا إلى الأفق يرى الواقف في الحقيقة أن طرفي الشارع وجنبتيه في نهاية امتداده في الأفق قد التقتا وكأنَّما أصبح كالمثلث ، ولكن هل العقل يصدّق هذه الصورة البصرية التي يلتقطها الحسّ ؟ بالتأكيد لا يمكن أن يصدّقها العقل ؛ وذلك لأنَّ البرهان قد قام لدى العقل على خلاف ما يتراءى في الحسّ ، فهذا لا يعني أنَّ الحسّ لا يعوَّل عليه ، لكن إذا قام البرهان الذي يفوق حجّية الحسّ فإنَّه يعوّل على ذلك البرهان ، فالتعويل على الحسّ محدود لا مطلق ولا منحصر فيه .
مثال آخر نضربه في الحسّ : أنَّه لو مسك شخص شعلة من النار وأدار تلك الشعلة بقوّة ، فماذا سيبصر الإنسان الناظر لذلك المحرّك والحامل للشعلة ، سيرى أنَّ الشعلة من بعيد كحلقة نارية ، لكن هل العقل يصدّق أنَّ هناك حلقة نارية ؟ كلَّا ، لا يصدّقها العقل ؛ لأنَّه يعلم بأنَّ هذه الشعلة هي واحدة كنقطة ، لكن بسرعة دورانها تكون في خلايا شبكية العين والبصر بنحو تعاقبي صوراً متعدّدة للنار فتلتئم فيتراءى في خداع البصر لدى الإنسان أنَّ هناك حلقة نارية . هذه ليست تشكيكات في الحسّ تؤدّي إلى السفسطة ، كلَّا ، فهذه الأمور ليست ظواهر ولا شواهد للطعن في الحسّ مطلقاً ، ولا إسقاط الحسّ عن المعرفة ومصدر المعرفة من رأس بالمرَّة ، كلَّا وليس الحال كذلك كما يقول السفسطائيون ، وإنَّما هذه الظواهر وهذه البيانات من القرآن الكريم ومن تجربة عقل البشر تبيّن وتبرز أنَّ الحسّ ليس المصدر الوحيد للمعرفة ، بل المعرفة البشرية في الحقيقة لها مصادر ومنابع متعدّدة أخرى ، هذه حقيقة .
وحقيقة ثانية هي أنَّ تلك المصادر للمعرفة قد تعلو الحسّ رتبةً ، ولا توافق حجّية الحسّ عندما تتصادم مؤدّيات ونتائج تلك الحجج مع
الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية — صفحة 285
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٢٨٥