هذه البيعة التي حصلت لأئمّة أهل البيت والحكومة الظاهرية ، هي في الحقيقة إحدى أساليب الحكم ، وإحدى أجهزة الحكم ، وإلَّا فإنَّ هناك أيضاً جهاز حكم آخر وحكومة أخرى وأسلوب آخر من الحكومة استعرضته أيضاً سورة الكهف ، وهي ظاهرة الخضر .
فلكلّ عنصر من هذه المجموعة العبادية دوائر بشرية تقوم بأدوار اختراق النظم ، وإرساء العدالة ، تلك المجموعات البشرية التي هي جهاز إلهي خفي مستتر وسرّي .
فللّه في الأرض حكومة من نمط آخر ، بل حكومات وأجهزة حكومية من نمط آخر تكون خفية ، كما كان للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكّة المكرَّمة ، حيث كان له أيضاً هذا الجهاز حتَّى في معيّة الحكومة المعلنة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا تقاطع بين وجود جهاز الحكم الخفي والجهاز الحكومي المعلن ؛ لأنَّ جهاز الحكم الخفي كما تدلُّ عليه سورة الكهف ، هو جهاز ليس فيه انقطاع أو انبتار ، وليس فيه فترة وفتور وجزر ومدّ ، بل هو مدّ دائم ، مدّ إلهي آبد ؛ لأنَّه كما بيَّنت سورة الكهف في قصَّة أصحاب الخضر أنَّ هناك أوامر تفصيلية إلهية تتنزَّل وتنزل ،
( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )
،
( فَأَرادَ رَبُّكَ )
، والإرادة الإلهية والسياسية دوماً موجودة ، فتدلّل إذن ظاهرة الخضر وسورة الكهف على أنَّ الجهاز الخفي للحكومة الإلهية هو نمط من حكومة لا يفتر ولا ينقطع ولا يبتر ولا يكون فيه جزر ، وإنَّما هو مدّ دائم موجود قائم ، وليس تابعاً لطبيعة البشر واختيارهم ، وليس تابعاً لإقبال أو إدبار البشر ، بل تابع لوجود ثُلّة من أصفياء الله وهم هذه العناصر .