وقال تعالى :
« قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً »
« 1 »
.
فإن إبليس رأى التعاظم من ذات نفسه ، ورأى أن لا حجاب بينه وبين الحضرة الربوبية ، وهذه الرؤية الإبليسية في الحقيقة استنقاص لمقام الذات الإلهية ؛ لأنه يرى أن بكمال ذاته المحدودة يتعرف على كل صفات الرب مع أن كمال إبليس في الخلقة ناقص ومنحدر .
فمن ثم كان التكبر من جذور الكفر ، والعبودية والتواضع من جذور التوحيد ، إذ في العبودية سر وهو الاعتراف بالنقص والفقر الذي هو بدوره اعتراف بتعاظم عظمة الباري .
فتبين أن التوسل من صميم جوهر التوحيد ، وجحود التوسل من صميم جوهر الكفر ، ومن ثم مر في آية سورة النساء « 2 » تقديم الباري مجي مذنبي الأمة إلى الرسول صلى الله عليه وآله على استغفارهم وندامتهم ، إذ بالمجي إلى النبي صلى الله عليه وآله إقرار منهم بالبعد من ساحة الباري ، بخلاف مقولة إبليس
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ »
« 3 » ، بل يقرون على أنفسهم بالنقص والاحتجاب ، وهو تعظيم للباري تعالى .
النبي وأهل بيته عليهم السلام الأبواب والحجب والسدنة
فالإيمان بوجود الحجب الإلهية من جهة المخلوق اتجاه الخالق هو من الاعتقاد بعظمة الباري وعلوه ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ( 61 ) .
( 2 ) قوله تعالى :« وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً »سورة النساء ( 64 ) .
( 3 ) قوله تعالى :« قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ »سورة الأعراف ( 12 ) .