للتفاوض عَلَى أمرين لأجل الحصول عَلَى أمر واحد ، فالواجب أنْ ينظر بدقّة أيّهما أهم حتّى يقدّمه ، بَلْ قدْ يكون هَذا الأمر لأهميته يستدعي التنازل عَنْ مكسبين دونه في الأهمية فيجب أنْ يتنازل مِنْ أجل الهدف الأكبر ، وَهَذا ما فعله الخضر ( ع ) في رحلته مَعَ موسى ( ع ) .
وحتّى أنَّ موسى ( ع ) لمْ يتبين غاية مقصده البعيد ، لذلك انتقد فعله الظاهري وانتقد الغاية البدوية حَيْثُ قَالَ - قوله تعالى :
( أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً )
« 1 » .
والخضر في تعليله بَعْدَ ذلك لمْ ينكر أنَّه خرقها ؛ لأنَّه خرقها لهدف أكبر ومصلحة كبرى بالموازنة بين الأهم المُهِم ، وهذهِ سياسة أعمق مِنْ السياسة الظاهرية المُقطعية ، وَهِيَ ( سياسية الموازنة بين الأهم والمُهم وتقديم الأهم ) ، ولعلَّه اشتبه الحال لدى كثيرين بين هذهِ القاعدة وقاعدة سياسة ( دفع الأفسد بالفاسد ) ، باعتبار أنَّ الأفسد أشدّ ضرراً مِنْ الفاسد ، ولكن قدْ أوضحنا تباين وتغاير القاعدتين وصحة الأُولى وتخطئة الثَّانية « 2 » ، بلْ أنَّه في جوابه لموسى ( ع ) بيَّن جلياً تلك المصلحة الأكبر :
( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً )
« 3 » .
فالخضر ( ع ) حتّى مِنْ خلال الجواب قَالَ ( أردتُ أنْ أعيبها ) ولمْ يقل ( خرقتها ) ، بلْ استخدم عبارة أرفق ولا تجعله في معرض التُّهمة ، وهذهِ سياسة أُخرى غَير سياسة دفع ( الأفسد بالفاسد ) .
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 71 .
( 2 ) أسس النظام السِّياسي عِنْدَ الإماميِّة لمُحَمَّد السَّند : ج 287 : 1 .
( 3 ) سورة الكهف : الآية 79 .