وأمّا معنى قوله : « مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » « 1 » . فالمراد من « ورائهم » كونه أمامهم ، ومحيطاً بهم ، وسمّي وراءَهم بعناية أنّه يطلبهم ، كما أنَّ مستقبل الزمان أمام الإنسان ، وفي نفس الوقت يقال : وراءَك يوم كذا بعناية أنّ الزمان يطلب الإنسان ليمرّ عليه ، وبذلك يُعلم معنى قوله سبحانه : « وَكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأخُذُ كُل سَفِينَةٍ غصباً » « 2 » فكأنّ الملك وجنوده محيطون بالبحر أو بمعابره ومضائقه فهم يتعقّبون كل سفينة ليأخذوها .
وأمّا البرزخ فهو الحاجز بين الشيئين قال سبحانه : « بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لايَبْغِيان » « 3 » . وكونه حاجزاً لا يعني انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل البرزخ ، بل يكون مانعاً من رجوع الناس إلى حياة الدنيا .
وممّا يؤيد ذلك هو أنَّ الآية وردت في رد طلب الكافرين الرجوع إلى الدنيا ، كما يحكيه عنهم قوله سبحانه : « حَتّى إذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبّ ارْجعُونِ لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُو قائِلُها » .
فعند ذلك يؤكّد النفي المستفاد من قوله : « كلّا » الصريح في عدم إمكان الرجوع ، فيقول :
« وَمِنْ ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُون » أيثمت مانع من الرجوع إلى يوم البعث .
وبعبارة أُخرى : أنّ المراد من الحاجز ليس هو وجود جدار رفيعٍ بين
هامش
( 1 ) . المؤمنون : 100 .
( 2 ) . الكهف : 79 .
( 3 ) . الرحمن : 20 .