ومن المعلوم : أنّ السبب الموجب لِحلّ الأكل في الفضولي إنّما نشأ عن التراضي ، مع أنّ الخطاب لمُلّاك الأموال ، والتجارة في الفضولي إنّما تصير تجارة المالك بعد الإجارة ، فتجارته عن تراضٍ .
وقد حكي عن المجمع : أنّ مذهب الإماميّة والشافعيّة وغيرهم أنّ معنى التّراضي بالتّجارة إمضاء البيع بالتفرّق أو التّخاير بعد العقد ، ولعلّه يناسب ما ذكرنا من كون الظرف خبراً بعد خبر .
شرح
علته مقامه ، نظير قوله سبحانه :« وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ »« 1 » ، و« إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ »« 2 ».أقول : لا تقاس آية النهي عن الأكل بشيء من الآيتين في حذف الجزاء وقيام تعليله مقامه ، فإن المذكور فيهما لا يصلح أن يكون جزاءً مترتباً على الشرط الوارد فيهما ولكن الأمر في آية النهي عن الأكل ليس كذلك ، وليس فيها تلك القرينة ولم يذكر فيها : لا تأكلوا أموالكم بينكم فإن أكلها باطل ، بل قوله سبحانه :« بِالْباطِلِ »في نفسه ظاهر في كونه متعلقاً بالأكل الوارد عليه النهي ، وأنه عنوان لسبب الأكل لظهور ( الباء ) في السببية . فيكون المنهي عنه هو الأكل الخاص وهو الأكل بسبب الباطل ، فيكون التجارة عن تراض من الاستثناء المنقطع ، فإنه لولا الاستثناء لما تدخل في المستثنى منه .
وما قيل في وجه استحالة استثناء المنقطع وعدم كون ( إلّا ) بمعنى ( لكن ) والاستشهاد بالمثالين المتقدمين غير صحيح ، غاية الأمر أن لا يكون ( إلّا ) في موارد استثناء المنقطع بمعنى ( لكن ) ، بل بمعنى الاستثناء ولو ادعاءً ، وهذا الادعاء صحيح فيما كان المستثنى مناسباً للمستثنى منه . ولا يستلزم أن يكون المراد بالمستثنى منه معناه
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 97 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 77 .