لكن الإنصاف : أنّ وقوع الفعل عن الإكراه لا يتحقّق إلّامع العجز عن التفصّي بغير التورية ، لأنّه يعتبر فيه أن يكون الداعي عليه هو خوف ترتّب الضرر المتوعّد به على الترك ، ومع القدرة على التفصّي لا يكون الضرر مترتّباً على ترك المكره عليه ، بل على تركه وترك التفصّي معاً ، فدفع الضّرر يحصل بأحد الأمرين : من فعل المُكرَه عليه ، والتفصّي ، فهو مختار في كلّ منهما ، ولا يصدر كلّ منهما إلّاباختياره ، فلا إكراه .
شرح
يمنع عن صدق الإكراه ، وذلك فإن ترتب الضرر على مخالفة المكره لا يترتب على المخالفة الواقعية ، بل على اعتقاد المكره - بالكسر - بها ، بمعنى أنه لو أحرز مخالفة المكره - بالفتح - لأضرّ به . وهذه القضية الشرطية صادقة مع تمكن المكلف على التورية ، حيث إن المكره - بالكسر - لو أحرز أن المكره - بالفتح - ورّى في نفسه ولم ينشئ العقد لأضرّ به ، بخلاف التفصي بغير التورية ، فإن الجائر لا يتمكن على إضرار المكره - بالفتح - مع تفصيه بغير التورية ، كما إذا تفصى بالسفر إلى بلاد أخرى لا يصل إليه فيها يد الجائر ، وعلى ذلك لا يعتبر العجز عن التورية في صدق الإكراه ويعتبر العجز عن التفصي بغيرها في صدقه .
أقول : ما ذكره رحمه الله من أن حمل رفع الإكراه وما ورد في بطلان الطلاق والعتق عن استكراه على صورة العجز عن التورية بعيد لا يمكن المساعدة عليه ، فإن حديث رفع الإكراه لا يختص بالعقود والإيقاعات ليقال : إن التمكن على التورية فيهما غالبي فاختصاصه بصورة العجز عن التورية حمل لعموم رفعه على الموارد النادرة ، بل يعم عمومه الإكراه على فعل الحرام وترك الواجب مما لا دخل في موردهما للتورية وعدمها .
أضف إلى ذلك أنه لا يوجب اعتباره حمل المطلق على فرده النادر حتى فيما ورد في بطلان الطلاق أو العتق أو الحلف كاذباً عن إكراه ، وذلك فإن الذي لا يمكن هو حمل