أقول : روى الطبرسي في الاحتجاج في جملة الأسئلة التي سأل الزّنديق عنها أبا عبداللَّه عليه السلام : قال الزّنديق : فمن أين أصل الكهانة ، ومن أين يخبر النّاس بما يحدث ؟ قال عليه السلام : « إنّ الكهانة كانت في الجاهلية في كلّ حين فترة من الرّسل ، كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون إليه فيما يشتبه عليهم من الأمور بينهم ، فيخبرهم بأشياء تحدث ، وذلك في وجوه شتّى : فِراسة العين ، وذكاء القلب ، ووسوسة النّفس ،
شرح
سرق ومن قاتل قتل ومن غائب غاب ، وهم بمنزلة الناس أيضاً صدوق وكذوب » « 1 » .
ذكر المصنّف رحمه الله احتمالين في قوله : « مع قذف في قلبه » :
الأوّل : كونه قيداً لفطنة الروح ، فيكون الحاصل أنّ المنشأ لخبر الكاهن عن الحوادث أمور شتّى :
منها : ما يرجع إلى نفسه فقط ، كفراسة عينه وذكاء قلبه ووسوسة نفسه ، ومنها :
ما يرجع إلى المجموع ، من فطنة روحه وقذف الشيطان في قلبه ، ويساعد هذا الاحتمال ما عن « النهاية » من قوله : « وقد كان في العرب كهنة ؛ . . . فمنهم من كان يزعم أنّ له تابعاً من الجنّ ورَئِيّاً يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنّه يعرف الأمور [ الحوادث ] بمقدّمات وأسباب يستدلّ بها [ بالمقدمات ] على مواقعها [ على موارد الحوادث ومواضعها ] من كلام من يسأله أو فعله أو حاله [ بيان للمقدمات ] » « 2 » . فإنّ ظاهر هذا الكلام إمكان كون المنشأ في إخبار الكاهن الأمر الراجع إلى نفسه فقط .
الاحتمال الثاني : كونه قيداً لجميع ما ذكر ، فيكون الحاصل إنّ منشأ إخبار الكاهن هو المجموع من الأمر الراجع إلى نفسه وقذف الشيطان ، وجعل رحمه الله قوله - فيما بعد : « فإذا قد زاد كلمات من عنده فيخلط الحقّ بالباطل » - قرينة على هذا
هامش
( 1 ) الاحتجاج 2 : 218 كلامه في الكهانة .
( 2 ) النهاية ( لابن الأثير ) 4 : 214 - 215 ( كهن ) .