فإن أراد اتّصاف الخبر في الواقع ، فقد تقدّم أنّه دائر مدار موافقة مراد المخبر ومخالفته للواقع ، لأنّه معنى الخبر والمقصود منه ، دون ظاهره الذي لم يقصد . وإن أراد اتّصافه عند الواصف ، فهو حقّ مع فرض جهله بإرادة خلاف الظّاهر . لكن توصيفه - حينئذٍ - باعتقاد أنّ هذا هو مراد المخبر ومقصوده ، فيرجع الأمر إلى إناطة الاتّصاف بمراد المتكلّم وإن كان الطّريق إليه اعتقاد المخاطب . وممّا يدلّ على سلب الكذب عن التّورية [ 1 ] ما روي في الاحتجاج : « أنّه سئل الصّادق عليه السلام عن قول اللَّه عزّ وجل - في قصّة إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام - :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »
، قال : ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم ، قيل : وكيف ذلك ؟
شرح
[ 1 ] وربّما يورد على ما ورد في قضية إبراهيم على نبيّنا وعلى آله وعليه السلام أنّ التعليق المزبور لا يخرجه إلى التورية حتّى يكون صادقاً ، حيث إنّ قوله :« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »« 1 » جملة شرطيّة يكون الصدق والكذب فيها دائرين مدار ترتّب الجزاء على الشرط لا على حصول الطرفين خارجاً أو عدمه ، والترتّب في الكلام المزبور مفقود ، فإنّه لو كانت الأوثان تنطق فرضاً لما كان أيضاً الكسر مستنداً إلى كبيرهم ، فالقضية الشرطيّة غير صادقة .
وأجاب عن ذلك السيد الخوئي رحمه الله « 2 » بأنّ الشرط في القضية قيد للحكاية لا لاستناد الكسر إلى كبيرهم ، والمفهوم أنّه حكايتي عن استناد الكسر إلى كبيرهم معلّقة على تكلم الأوثان ، والمفهوم أنّه على تقدير عدم تكلّمهم لا حكاية لي عن استناد الكسر إليهم حتى تتّصف بالصدق أو الكذب .
هامش
( 1 ) الاحتجاج 2 : 256 ، والآية 63 من سورة الأنبياء .
( 2 ) محاضرات في الفقه الجعفري 1 : 474 .