وأمّا التّورية ، وهي : أن يريد بلفظٍ معنىً مطابقاً للواقع وقصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك ، ممّا هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب ، أو المخاطب الخاصّ - كما لو قلت في مقام إنكار ما قلته في حقّ أحد : « علم اللَّه ما قلته » ، وأردت بكلمة ما الموصولة ، وفهم المخاطب النّافية ، وكما لو استأذن رجل بالباب فقال الخادم له : « ما هو هاهنا » وأشار إلى موضع خال في البيت ، وكما لو قلت : « اليوم ما أكلت الخبز » ، تعني بذلك حالة النوم أو حالة الصّلاة ، إلى غير ذلك - فلا ينبغي الإشكال في عدم كونها من الكذب . ولذا صرّح الأصحاب فيما سيأتي من وجوب التّورية عند الضرورة ، بأنّه يورّي بما يخرجه من الكذب ، بل اعترض جامع المقاصد على قول العلّامة [ 1 ] في القواعد - في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم ، بأنّه « يجوز الحلف كاذباً ، وتجب التّورية على العارف بها » - : بأنّ العبارة لا تخلو من مناقشة ، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التّورية ، ومعلوم أن لا كذب معها ، انتهى .
ووجه ذلك : أنّ الخبر باعتبار معناه - وهو المستعمل فيه كلامه - ليس مخالفاً للواقع ، وإنّما فهم المخاطب من كلامه أمراً مخالفاً للواقع لم يقصده المتكلّم من اللّفظ .
شرح
[ 1 ] قال العلّامة في « القواعد » في مسألة الوديعة إذا طالبها ظالم بأنّه : « يجوز الحلف كاذباً للمصلحة ، ويجب التورية على العارف » « 1 » ، انتهى . وظاهر ذلك وجوب التورية مع الحلف كاذباً على العارف بها ، وهذا بظاهره التزام باجتماع الكذب والتورية ؛ ولذا ذكر في « جامع المقاصد » عند شرح العبارة : أنّ العبارة لا تخلو عن مناقشة ، حيث تقتضي ثبوت الكذب مع التورية « 2 » .
هامش
( 1 ) قواعد الأحكام 2 : 188 .
( 2 ) جامع المقاصد 6 : 38 .