فعن المصباح : أنّ الغناء الصّوت وعن آخر : أنّه مدّ الصّوت [ 1 ] وعن النّهاية عن الشّافعي : أنّه تحسين الصّوت وترقيقه . وعنها أيضاً : أنّ كلّ من رفع صوتاً ووالاه فصوته عند العرب غناء وكلّ هذه المفاهيم ممّا يعلم عدم حرمتها وعدم صدق الغناء عليها ، فكلّها إشارة إلى المفهوم المعيّن عرفاً . والأحسن من الكلّ ما تقدّم من الصّحاح ويقرب منه المحكي عن المشهور بين الفقهاء من أنّه مدّ الصّوت المشتمل على الترجيع المطرب . والطَّرَب - على ما في الصّحاح - : خفّة تعتري الإنسان لشدّة حزن أو سرور . وعن الأساس للزّمخشري : خفّة لسرور أو همّ . وهذا
شرح
فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الغناء وإن كان بإطلاقه محرّماً إلّاأنّه لا يمكن الحكم بكونه من الكبائر ، إلّافيما إذا كان في ضمن كلام باطل ، كالكذب وما يوجب إضلال النّاس عن الدّين الحقّ وإفساد عقيدتهم . وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام ، قال :
سمعته يقول : « الغناء ممّا وعد اللَّه عليه النّار » « 1 » وتلا هذه الآية :« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ »« 2 » . . . إلخ ، فإنّ الآية ناظرة إلى شراء لهو الحديث الموجب لإضلال الناس . وما في رواية الأعمش أيضاً لا يدلّ على أنّه بإطلاقه من الكبائر ، حيث إنّ المذكور فيها الملاهي الّتي تصدّ عن ذكر اللَّه ، والملاهي جمع ملهى بمعنى اللّهو ، بقرينة التمثيل بالفعل ، ومدلولها كون الغناء الموجب لنسيان اللَّه كبيرة ، فلا تعمّ ما يكون في ضمن الأشعار المتضمّنة للوعظ والإرشاد ونحوهما .
[ 1 ] لا ينبغي التأمّل في كون الغناء عرفاً هي الكيفيّة للصّوت ، ولا دخل في صدقه لبطلان معنى الكلام وعدمه ؛ ولذا من سمع من بعيد صوتاً يكون فيه الترجيع
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 304 ، الحديث 6 .
( 2 ) سورة لقمان : الآية 6 .