مع أنّ وجوب الاجتناب ثابت فيما كان رجساً من عمل الشيطان ، يعني من مبتدعاته ، فيختصّ وجوب الاجتناب المطلق بما كان من عمل الشّيطان ، سواء كان نجساً - كالخمر - أو قذراً معنويّاً - مثل المَيسِر .
ومن المعلوم : أنّ المائعات المتنجّسة - كالدّهن والطّين والصّبغ والدّبس - إذا تنجّست ليست من أعمال الشّيطان . وإن أريد من عمل الشّيطان عمل المكلّف المتحقّق في الخارج بإغوائه ليكون المراد بالمذكورات استعمالها على النحو الخاصّ ، فالمعنى : أنّ الانتفاع بهذه المذكورات رجس من عمل الشيطان ، كما يقال في سائر المعاصي : إنّها من عمل الشيطان ، فلا تدلّ أيضاً على وجوب الاجتناب عن استعمال المتنجّس إلّاإذا ثبت كون الاستعمال رجساً ، وهو أوّل الكلام .
شرح
وذكر المصنّف رحمه الله في الجواب أنّ الرّجس ما يكون كذلك في ذاته لا ما عرضت له النّجاسة ، فيختصّ بالأعيان النّجسة ولا يعمّ المتنجّسات ، وإلّا لزم تخصيص الأكثر باعتبار جواز الانتفاع بأكثر المتنجّسات ، هذا أوّلًا ، وثانياً أنّ المذكور في الآية كون الرّجس من عمل الشّيطان ، أيمن صنعه ، فيختصّ وجوب الاجتناب بمخترعات الشيطان ومبتدعاته ، سواء كان قذراً ماديّاً كالخمر ، أو معنويّاً كالميسر .
والحاصل : أنّ مجرّد كون عين نجسة فضلًا عن المتنجّس لا يوجب دخوله في صنع الشّيطان ومخترعاته ، وإن أريد من عمل الشّيطان هو الصّادر عن المكلّف بإغوائه ؛ ليكون الرّجس عنواناً لنفس تلك الأعمال ، فكون الانتفاع بالمتنجّسات رجساً وعملًا بإغواء الشّيطان أوّل الكلام .
أقول : لفظ الرّجس بمعنى النّجس في مثل قوله سبحانه :« إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ »« 1 » وإن كان ممكناً ، إلّاأنّه لا يكون في المقام ،
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 145 .