شرح
التزم كل طرف بالمضمون لوحده لم يتحقق العقد . وإلى هذا يرجع ما ذكروه من أن ركني العقد الإيجاب والقبول ، بلحاظ ارتباط القبول بالإيجاب وتفرعه عليه ، وإلا فالمعتبر ما ذكرنا . ولذا يكفي في ترتب العقد توقيع الأطراف على الورقة المتضمنة للمضمون العقدي ، من دون أن يكون أحدهم موجباً والآخر قابلًا ، كما يكفي الإيجاب من وكيل الطرفين أو وليهما إذا ابتنى على إعمال وكالته أو ولايته عنهما معاً .
أما الإيقاع فهو يبتني على التزام شخص واحد بالمضمون ، إما لتعلقه به وحده ، كما في النذر والوصية بالثلث ، أو لتعلقه به وبغيره مع استقلاله هو بالسلطنة عليه دون ذلك الغير ، كما في الطلاق الذي جعله الشارع بيد الزوج وإن كان متعلقاً بالزوجين معاً ، أو لتعلقه بالغير فقط من دون اعتبار رضا ذلك الغير ، كما في نصب الأب القيم على أطفاله من بعده . ومجرد توقفه على إذن الغير في بعض الموارد لا يجعله عقداً إذا لم تتم شروط العقد المتقدمة ، كما يظهر مما سبق .
وبذلك يظهر الوجه في كون البيع من العقود ، لأنه حيث كان نحو نسبة قائمة بمالين لمالكين أو أكثر فهو ينافي سلطنة كل طرف على ماله إن كان طرف المعاملة المتعلق به مالًا خارجياً ، أو نفسه إن كان طرفها ذمياً ، فلابد في نفوذه من إعمال كل طرف لسلطنته بالالتزام بمضمون البيع على نفسه لصاحبه . وبذلك يتم العقد ، كما سبق .
كما ظهر بذلك عدم خصوصية الإيجاب والقبول في المقام ، وأن المعيار على ارتباط التزام بعضهم ببعض ، وإن كان الإيجاب من كل طرف ، أو بالقبول من الكل ، كما تقدم في مثل التوقيع من الكل على الورقة المتضمنة للمضمون العقدي ، أو بإيجاب واحد عن الكل كما في إيجاب وكيل الطرفين أو وليهما ، كل ذلك لصدق العقد والبيع بذلك ، وليس ذكر الإيجاب والقبول إلا لتعارف إنشاء البيع بهما .
هذا وقد تقدم في أول كتاب التجارة ذكر ما يستدل به على نفوذها بخصوصها ، وما يستدل به على نفوذ عموم العقود ونحوه مما يعمها غيرها . فراجع .