شرح
ويظهر من بعض مشايخنا ( قدس سره ) إنكار حكم العقل بقبحه في نفسه ، وأنه إنما يقبح عقلًا من ترتب مفسدة عليه . لكنه كما ترى ، فإن حسن الصدق وقبح الكذب من الوجدانيات الضرورية .
نعم الظاهر عدم ملازمة الحكم المذكور للحرمة شرعاً ، لإمكان مزاحمته بجهة تمنع من الحكم بحرمته ، وإلى ذلك يرجع ما ذكرناه في الأصول وأشرنا إليه في المسألة السابقة من إنكار ملازمة حكم العقل لحكم الشرع .
فالعمدة في الدليل على حرمته الأدلة التعبدية من الكتاب والسنة والإجماع . ولا إشكال في نهوضها بحرمته في الجملة . والمهم إقامة الدليل على حرمته مطلقاً ، ليرجع إليه في موارد الشك . والظاهر وفاء الكتاب والسنة بذلك .
أما الكتاب فقد يستدل منه بقوله تعالى : ( ( وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكذِبُونَ ) ) « 1 » فإن جعل سبب العذاب الكذب دون تقييد له بكذب خاص في حرمة الكذب بنفسه مطلقاً مع قطع النظر عن خصوصية موضوعه .
وأظهر من ذلك قوله تعالى : ( ( وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ ) ) « 2 » فإن الزور وإن لم يختص بالكذب ، كما سبق عند الكلام في حرمة الغناء ، بل هو مطلق الميل ، إلا أن الكذب من أظهر أفراد قول الزور . وأما تفسير قول الزور في النصوص الكثيرة « 3 » بالغناء فالظاهر أنه راجع إلى تطبيقه عليه وكونه من أفراده ، من دون أن يختص به ، لشيوع ذلك في النصوص الواردة في تفسير القرآن ، ويحتاج التخصيص إلى عناية . ويؤكد ذلك في المقام صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : " سألته عن قول الزور . قال : منه قول الرجل الذي يغني : أحسنت " « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 10 .
( 2 ) سورة الحج آية : 30 .
( 3 ) راجع وسائل الشيعة ج : 12 باب : 99 من أبواب ما يكتسب به .
( 4 ) وسائل الشيعة ج : 12 باب : 99 من أبواب ما يكتسب به حديث : 21 .