شرح
الأولى حديث عمرو بن أبي المقدام وغيره . وإن كان كثيراً منها يأباه لقوة ظهوره أو صراحته في الحرمة . لكن يهون أمرها ، لضعف سند أكثرها ، وقرب حمل الجميع على التقية ، لموافقتها لكثير من العامة ، ولما هو المعروف من سيرة بعض أوائلهم وشدة إنكاره لذلك . ولا يبعد أن يكون ذلك هو المنشأ لما أشير إليه في نصوص الطائفة الثانية من استنكار النياحة ورده .
ثم إن نصوص الطائفة الثانية الدالة على جواز النياحة وإن كانت مطلقة ، إلا أنه قد يستدل للتفصيل الذي سبق من المشهور بمرسل الصدوق : " قال ( عليه السلام ) : لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقاً " « 1 » ، وخبر خديجة بنت عمر بن علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، قالت في حديث : " سمعت عمي محمد بن علي ( عليه السلام ) يقول : إنما تحتاج المرأة إلى النوح لتسيل دمعتها ، ولا ينبغي لها أن تقول هجراً ، فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح " « 2 » .
لكنهما لا ينهضان بالاستدلال لضعفهما . ولأن الهجر هو القول القبيح أو الفحش ، من دون خصوصية للكذب . ومن القريب أن يراد به هنا التجاوز إما في مدح الميت ، أو في الخروج عن مقتضى الصبر والتسليم لله تعالى والرضا بقضائه .
فالعمدة في المقام : أن النصوص المذكورة إنما تدل على جواز النياحة من حيث هي ، ولا تنافي حرمتها لو اشتملت على محرم ، كالكذب ، أو مدح من لا يستحق المدح ، أو توهين الحق ، أو ترويج الباطل ، أو قول ما ينافي التسليم لله تعالى ، أو غير ذلك مما هو محرم في نفسه وإن لم يكن كذباً . بل مقتضى إطلاق أدلة حرمة تلك الأمور حرمتها حينئذٍ ، بل هو المقطوع به ، وإن لم تحرم من حيثية النياحة . ومن ذلك يظهر أن اللازم التفصيل بالوجه المذكور ، وعدم الاقتصار في الحرمة على الكذب .
بقي شيء ، وهو أن الظاهر عدم الإشكال في جواز التكسب بالنياحة مع حليتها ، كعدم الإشكال في حرمته مع حرمتها . عملًا بعموم صحة العقود وأصالة
-
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة ج : 12 باب : 17 من أبواب ما يكتسب به حديث 9 ، 6 .
( 2 ) وسائل الشيعة ج : 12 باب : 17 من أبواب ما يكتسب به حديث 9 ، 6 .