شرح
وجوب الصناعات المذكورة مشروط ببذل العوض بإجارة أو جعالة أو نحوهما ، فهي قبل بذل العوض ليس واجبة ، لتدخل في كبرى المنع من أخذ الأجرة على الواجب .
ويشكل بعدم وضوح الوجه في هذا التقييد ، إذ بعد وجوب حفظ النظام مطلقاً ، والاكتفاء في حفظ النظام بمطلق العمل مجاناً أو بعوض ، فما هو الوجه في تقييد وجوب العمل ببذل العوض ؟ ! كيف ولازم ذلك عدم وجوب التهيؤ للعمل بتعلمه وإتقانه ، والاستعداد لبذله قبل بذل العوض له ، لعدم وجوب تهيئة مقدمات الواجب بعد عدم فعلية وجوبه ، لعدم وجود شرطه ، ولا مجال للبناء على ذلك .
على أن الإشكال لا يختص بالصناعات ، بل يجري نظيره في موارد وجوب العمل لضرورة ، كحفظ النفس أو نحوه ، حيث لا إشكال في وجوب ما يدفع الضرورة - كالتطبيب - مع امتناع من له العمل من بذل العوض ، أو عجزه عن البذل ، لإغماء ونحوه ، ومع ذلك له العمل بنية الرجوع بالعوض . ومرجعه التكسب بما هو واجب فعلًا . وما يدفع به الإشكال في ذلك يدفع به الإشكال في الصناعات الواجبة لحفظ النظام من دون حاجة للتشبث بدعوى : أن وجوبها مشروط ببذل العوض .
الوجه الرابع : أن ملاك الوجوب في الصناعات المذكورة لما كان هو حفظ النظام ولم يكن حفظ النظام موقوفاً على المجانية تعين جواز أخذ الأجرة على العمل ، لوفائه مع أخذ الأجرة بالملاك المقتضي للوجوب ، ولا وجه للتقييد بالمجانية بعد عموم الملاك .
وفيه : أنه لما كان المفروض مانعية الوجوب من أخذ الأجرة فلا أثر لعموم ملاك الوجوب في جواز أخذ الأجرة . وإلا فكما يحرز عموم ملاك الواجب في الصناعات المذكورة لصورة أخذ الأجرة ، بلحاظ عدم توقف حفظ النظام على المجانية ، كذلك يمكن إحراز عموم الملاك في سائر الواجبات لصورة أخذ الأجرة من إطلاق أدلة الواجبات بعد فرض عدم قيام الدليل من الخارج على تقييدها بالمجانية .
الوجه الخامس : ما ذكره بعض الأعاظم ( قدس سره ) من أن النظام يتوقف على بذل العمل ، لا على نفس العمل . وحينئذٍ لا مانع من أخذ الأجرة على العمل نفسه بعد