شرح
وما ذكره لا يخلو عن غموض وإشكال ، لأن الحديث لم يتضمن الحصر المذكور ، بل مجرد النهي عن إتيان هؤلاء ، وهو أعم من الحصر فيهم .
فالأولى في تقريب دلالة الحديث على الحرمة : أن الجمود على حاق هذا التركيب مستلزم للغوية ذكر الكذاب ، لوضوح أنه مع العلم بكون الشخص كذاباً لا يقصد ، ولا يسأل ، ولا يصدّق ، ومع الجهل بذلك لا يحرز موضوع الحرمة ليعمل عليها .
ومن ثم كان الظاهر أن ذكر الكذاب لبيان أن كل من يتصدى للإخبار عن الأمور الغيبية ، ويدعى العلم بها ، كذاب لا ينبغي الرجوع إليه ، بل الرجوع إليه مناف للإيمان . فهو ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) بعد أن ذكر الساحر والكاهن أراد بيان الضابط العام ، وهو أن كل من يتصدى للإخبار عن الأمور الغيبية كاذب يحرم الرجوع إليه وتصديقه .
ولولا ذلك لم ينهض الجواب ببيان حكم مورد السؤال ، لأن السؤال لم يتضمن أن الشخص المذكور من أحد الأصناف الثلاثة ، وإنما تضمن تصديه للإخبار عن المجهول ، فلولا ورود الجواب لبيان الكبرى المذكورة لم ينهض ببيان حكمه .
وأما ما ذكره بعض مشايخنا ( قدس سره ) من ورود الجواب لبيان الضابط في التحريم ، وحصر المحرم بالأقسام الثلاثة ، وإيكال التشخيص للسائل ، فإن كان مورد السؤال منها كان محرماً ، وإلا لم يحرم .
ففيه : أولًا : أنه لا إشعار في الجواب بالحصر لينهض ببيان الضابط ، بل ليس فيه إلا حرمة إتيان هؤلاء وتصديقهم . وثانياً : أن السائل إنما سأل عن قصد الشخص المذكور وسؤاله ، للشك في حسن الاعتماد عليه وتصديقه ، والشك في صدقه وكذبه ، وبيان عدم جواز سؤال الكاذب وتصديقه لا يصلح لبيان الضابط الذي يعرف منه حكم مورد السؤال . بل سبق أنه يلغو بيان حرمة سؤال الكاذب وتصديقه ، لخلوه عن الفائدة .
ومثله ما ذكره ( قدس سره ) من أن الحديث بقرينة السؤال ظاهر في الإخبار عن الأمور الماضية من السرقة والضالة ونحوها ، ولا إشكال في جواز الإخبار عن الأمور الماضية