تداولته قريش بينه . لا والله ، لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبد .
فقلت : جعلت فداك يا ابن عم رسول الله ، لقد صدعت قلبي بهذا القول . أفلا أرجع إلى المصر ، فأوذن الناس بمقالتك ، وأدعو الناس إليك ؟ فقال : يا جندب ، ليس هذا زمان ذاك .
قال : فانصرفت إلى العراق ، فكنت أذكر فضل علي على الناس ، فلا أعدم رجلًا يقول لي ما أكره . وأحسن ما أسمعه قول من يقول : دع عنك هذ ، وخذ فيما ينفعك ، فأقول : إن هذا مما ينفعني وينفعك ، فيقوم عني ويدعني .
وزاد أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : حتى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة أيام ولين ، فبعث إلي فحبسني ، حتى كُلّم فيّ ، فخلى سبيلي .
وروى الجوهري : قال : نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم : يا معشر المسلمين إنا قد كنا وما كنا نستطيع الكلام ، قلة وذلة ، فأعزنا الله بدينه ، وأكرمنا برسوله ، فالحمد لله رب العالمين . يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ، تحولونه ههنا مرة ، وههنا مرة ؟ ! ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ، ويضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ، ووضعتموه في غير أهله .
فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة : يا ابن سمية : لقد عدوت طورك ، وما عرفت قدرك . ما أنت وما رأت قريش لأنفسه ؟ ! إنك لست في شيء من أمرها وإمارته . فتنح عنه ، وتكلمت قريش بأجمعه ، فصاحوا بعمار ، وانتهروه . فقال : الحمد لله رب العالمين . ما زال أعوان الحق أذلاء . ثم قام فانصرف « 1 » .
وإنما أثبتناه بطوله لأنه يوضح الخطوط العامة للحوادث التي حصلت في الصدر الأول . ويمكن للباحث أن يجد نظيره وشواهده في
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة 9 : 56 - 58 .