وثانياً : لو سلّمنا عدم وجود مثل هذا العلم ، فلنا أن ندّعي وجوب الفحص أيضاً ، لأنّ المراد من : « رُفع ما لا يعلمون » ، أو : « كُلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أو تعلم أنه حرام » ، وأمثال ذلك ليس إلّاالحجّة لا العلم الوجداني ، لوضوح أنّ قيام البيّنة هو أيضاً علمٌ بمعنى الحجّة ، لأنّه يوجبُ رفع الشّك ، فيصير المعنى أنّه مع عدم الحجّة ووجودها تجري البراءة ، فإذا كانت الحجّة موجودة ولم يتفحّص فإنّه عقلًا تصحّ عقوبته ، كما هو كذلك في مثل « ما حَجَب اللَّه علمه » ، مع أنّ المحقّق الثاني قد ارتضاه فهو أيضاً يكون من أدلّة البراءة ، فكيف يصحّ إجرائها من دون حَجَب على فرض كلامه ؟
هذا فضلًا عن أنّ العقل يحكم بأنّ التجويز بترك الفحص عن الأحكام ، وعدم الذهاب إلى تحصيله بجعل الأصابع في الأذان ، أو كونه في محلٍّ لا يسمع كلام المبلِّغين حتّى لا تتمّ عليه الحجّة ، ليس إلّامعناه لغوية ثبت الرسل وإنزال الكتب ، والإجازة والإذن وصيرورة الناس كالبهائم والمجانين ، وهذا ممّا لا يقبله الذوق السليم ، فلو سلّمنا على الفرض من وجود الإطلاق للدليل ، فلابدّ من دعوى التقييد بحكم العقل المزبور ، بل بواسطة بعض الأدلّة الدّالة على وجوب الفحص مثل قوله تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 1 » ، والتبليغ يكون على حسب المتعارف من ذهاب الناس لتحصيله إلى الأماكن المعدّة لذلك ، والحضور وعند الأشخاص المعهودة ، فترك الفحص حتّى يوجب ترك الواقع والحجّة يصحح
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 15 .