تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لئالي الأصول — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
القسم الثالث : ما لا يكون المسبّب ولا السبب عقلائيّا ، بل كان كلّ منهما اختراعيّا جعليّا شرعيّا ، مثل ما قام به الشارع من جعل تحقّق الحدّ في ثلاث مرّات على المجرم والجاني سببا لوجوب القتل في الثالث أو الرابع ، فإنّ الأسباب وهي الحدود من إيقاع السياط بمأة أو ثمانين وغير ذلك إنّما هي من الأسباب المجعولة الشرعيّة ، حيث لم تكن هذه الحدود موجودة عند العقلاء قبل جعل الشارع ، كما أنّ المسبّب وهو وجوب القتل عند تعدّد الواقعة بعد إقامة الحدود يعدّ أمرا مجعولا شرعيّا ، فهو المسبّب المجعول ، ففي مثل ذلك لا بدّ من الشارع التصرّف في كلّ من السبب والمسبّب ، ولا يكفي جعل أحدهما عن جعل الآخر ولا يغنيه . أقول : ممّا ذكرنا يظهر فساد كلام المحقّق النائيني القائل بأنّه إذا كانت الأسباب من المسبّبات المجعولة الشرعيّة ، فلا يمكن جعل مسبّباتها ، لأنّ جعل أحدهما يغني عن جعل الآخر . لأنّا نقول : هذا يصحّ إذا كانت الأسباب والمسبّبات غير اختراعيّة ، وأمّا إذا كان كلاهما من المخترعات الشرعيّة ، فلا يغني أحدهما عن الآخر ، بل لا بدّ من تعلّق الجعل بكلّ واحد منهما . ثمّ لا يخفى عليك وجود الفرق في جعل السببيّة بين الجعل في عالم التكوين ، والجعل في عالم التشريع ، حيث إنّ الجعل في عالم التكوين يتعلّق بوجود السبب جعلا بسيطا ، وسببيّة السبب حينئذ غير مجعولة إلّا بالعرض ، فالجاعل في عالم التكوين يجعل النار بنفسها نارا ومؤثّرة أو سببا إذ الجعل يتوجّه إلى أصل وجوده لا بوصفيّته ، وهذا بخلاف الجعل في الأسباب التشريعيّة ، حيث إنّ الجعل فيها